فظهر من جميع ما بيناه: أن إطلاق الكلام والقول في مورده تعالى يحكي عن أمر حقيقي واقعي ، وأنه من مراتب المعنى الحقيقي لهاتين اللفظتين وإن اختلف من حيث المصداق مع ما عندنا من مصداق الكلام ، كما أن سائر الألفاظ المشتركة الاستعمال بيننا وبينه تعالى كالحياة والعلم والإرادة والإعطاء كذلك.
واعلم: أن القول في معنى رفع الدرجات من قوله تعالى: ورفع بعضهم درجات ، من حيث اشتماله على أمر حقيقي واقعي غير اعتباري كالقول في معنى الكلام بعينه فقد توهم أكثر الباحثين في المعارف الدينية: أن ما اشتملت عليه هذه البيانات أمور اعتبارية ومعاني وهمية نظير ما يوجد بيننا معاشر أهل الاجتماع من الإنسان من مقامات الرئاسة والزعامة والفضيلة والتقدم والتصدر ونحو ذلك ، فلزمهم أن يجعلوا ما يرتبط بها من الحقائق كمقامات الآخرة من جنة ونار وسؤال وغير ذلك مرتبطة مترتبة نظير ترتب الآثار الخارجية على هذه المقامات الاجتماعية الاعتبارية ، أي أن الرابطة بين المقامات المعنوية المذكورة وبين النتائج المرتبة عليها رابطة الاعتبار والوضع ، ولزمهم - اضطرارا - كون جاعل هذه الروابط وهو الله تعالى وتقدس ، محكوما بالآراء الاعتبارية ومبعوثا عن الشعور الوهمي كالإنسان الواقع في عالم المادة ، والنازل في منزل الحركة والاستكمال ، ولذلك تراهم يستنكفون عن القول باختصاص المقربين من أنبيائه وأوليائه بالكمالات الحقيقية المعنوية التي تثبتها لهم ظواهر الكتاب والسنة إلا أن تنسلخ عن حقيقتها وترجع إلى نحو من الاعتباريات.
قوله تعالى: وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، رجوع إلى أصل السياق وهو التكلم دون الغيبة كما مر.
والوجه في التصريح باسم عيسى مع عدم ذكر غيره من الرسل في الآية: أن ما ذكره له (عليه السلام) من جهات التفضيل وهو إيتاء البينات ، والتأييد بروح القدس مشترك بين الرسل جميعا ليس مما يختص ببعضهم دون بعض ، قال تعالى:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات:"الحديد - 25 ، وقال تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا": النمل - 2 ، لكنهما في عيسى بنحو خاص فجميع آياته كإحياء الموتى وخلق الطير بالنفخ وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات كانت أمورا متكئة على الحياة مترشحة عن الروح ، فلذلك نسبها إلى عيسى (عليه السلام) وصرح باسمه إذ لو لا التصريح لم يدل على كونه فضيلة خاصة كما لو قيل: وآتينا بعضهم البينات وأيدناه بروح القدس ، إذ البينات وروح القدس كما عرفت مشتركة غير مختصة ، فلا يستقيم نسبتها إلى البعض بالاختصاص إلا مع التصريح باسمه ليعلم أنها فيه بنحو خاص غير مشترك تقريبا ، على أن في اسم عيسى (عليه السلام) خاصة أخرى وآية بينة وهي أنه ابن مريم لا أب له ، قال تعالى:"و جعلناها وابنها آية للعالمين:"الأنبياء - 91 ، فمجموع الابن والأم آية بينة إلهية وفضيلة اختصاصية أخرى.
قوله تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ، العدول إلى الغيبة ثانيا لأن المقام مقام إظهار أن المشية والإرادة الربانية غير مغلوبة ، والقدرة غير باطلة ، فجميع الحوادث على طرفي إثباتها ونفيها غير خارجة عن السلطنة الإلهية ، وبالجملة وصف الألوهية هي التي تنافي تقيد القدرة وتوجب إطلاق تعلقها بطرفي الإيجاب والسلب فمست حاجة المقام إلى إظهار هذه الصفة المتعالية أعني الألوهية للذكر فقيل: ولو شاء الله ما اقتتل ، ولم يقل: ولو شئنا ما اقتتل ، وهذا هو الوجه أيضا في قوله تعالى في ذيل الآية: ولو شاء الله ما اقتتلوا ، وقوله: ولكن الله يفعل ما يريد ، وهو الوجه أيضا في العدول عن الإضمار إلى الإظهار.
قوله تعالى: ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، نسب الاختلاف إليهم لا إلى نفسه لأنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه: أن الاختلاف بالإيمان والكفر وسائر المعارف الأصلية المبينة في كتب الله النازلة على أنبيائه إنما حدث بين الناس بالبغي ، وحاشا أن ينتسب إليه سبحانه بغي أو ظلم.