فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 4314

و هناك ألفاظ أخر ربما استعمل في معنى القول والكلام أو ما يقرب من معناهما كالوحي ، قال تعالى:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى الذين من قبلك:"النساء - 163 ، والإلهام ، قال تعالى: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها: الشمس - 8 ، والنبأ ، قال تعالى: قال نبأني العليم الخبير: التحريم - 3 ، والقص ، قال تعالى: يقص الحق: الأنعام - 57 ، والقول في جميع هذه الألفاظ من حيث حقيقة المعنى هو الذي قلناه في أول الكلام من لزوم تحقق أمر حقيقي معه يترتب عليه أثر القول وخاصته سواء علمنا بحقيقة هذا الأمر الحقيقي المتحقق بالضرورة أو لم نعلم بحقيقته تفصيلا ، وفي الوحي خاصة كلام سيأتي التعرض له في سورة الشورى إن شاء الله.

وأما اختصاص بعض الموارد ببعض هذه الألفاظ مع كون المعنى المشترك المذكور موجودا في الجميع كتسمية بعضها كلاما وبعضها قولا وبعضها وحيا مثلا لا غير فهو يدور مدار ظهور انطباق العناية اللفظية على المورد ، فالقول يسمى كلاما نظرا إلى السبب الذي يفيد وقوع المعنى في الذهن ولذلك سمي هذا الفعل الإلهي في مورد بيان تفضيل الأنبياء وتشريفهم كلاما لأن العناية هناك إنما هو بالمخاطبة والتكليم ، ويسمى قولا بالنظر إلى المعنى المقصود إلقاؤه وتفهيمه ولذلك سمي هذا الأمر الإلهي في مورد القضاء والقدر والحكم والتشريع ونحو ذلك قولا كقوله تعالى: قال الحق والحق أقول لأملأن: ص - 85 ، ويسمى وحيا بعناية كونه خفيا عن غير الأنبياء ولذلك عبر في موردهم (عليهم السلام) بالوحي كقوله: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى الذين من قبلك الآية: النساء - 163.

الجهة الثانية: وهي البحث من جهة كيفية الاستعمال فقد عرفت أن مفردات اللغة إنما انتقل الإنسان إلى معانيها ووضع الألفاظ بحذائها واستعملها فيها في المحسوسات من الأمور الجسمانية ابتداء ثم انتقل تدريجا إلى المعنويات ، وهذا وإن أوجب كون استعمال اللفظ الموضوع للمعنى المحسوس في المعنى المعقول استعمالا مجازيا ابتداء لكنه سيعود حقيقة بعد استقرار الاستعمال وحصول التبادر ، وكذلك ترقي الاجتماع وتقدم الإنسان في المدنية والحضارة يوجب التغير في الوسائل التي ترفع حاجته الحيوية ، والتبدل فيها دائما مع بقاء الأسماء فالأسماء لا تزال تتبدل مصاديق معانيها مع بقاء الأغراض المرتبة ، وذلك كما أن السراج في أول ما تنبه الإنسان لإمكان رفع بعض الحوائج به كان مثلا شيئا من الدهن أو الدهنيات مع فتيله متصلة بها في ظرف يحفظها فكانت تشتعل الفتيلة للاستضاءة بالليل ، فركبته الصناعة على هذه الهيئة أولا وسماه الإنسان بالسراج ، ثم لم يزل يتحول طورا بعد طور ، ويركب طبقا عن طبق ، حتى انتهت إلى هذه السرج الكهربائية التي لا يوجد فيها ومعها شيء من أجزاء السراج المصنوع أولا ، الموضوع بحذائه لفظ السراج من دهن وفتيلة وقصعة خزفية أو فلزية ، ومع ذلك نحن نطلق لفظ السراج عليها وعلى سائر أقسام السراج على حد سواء ، ومن غير عناية ، وليس ذلك إلا أن الغاية والغرض من السراج أعني الأثر المقصود منه المترتب على المصنوع أولا يترتب بعينه على المصنوع أخيرا من غير تفاوت ، وهو الاستضاءة ، ونحن لا نقصد شيئا من وسائل الحياة ولا نعرفها إلا بغايتها في الحياة وأثرها المترتب ، فحقيقة السراج ما يستضاء بضوئه بالليل ، ومع بقاء هذه الخاصة والأثر يبقى حقيقة السراج ويبقى اسم السراج على حقيقة معناه من غير تغير وتبدل ، وإن تغير الشكل أحيانا أو الكيفية أو الكمية أو أصل أجزاء الذات كما عرفت في المثال ، وعلى هذا فالملاك في بقاء المعنى الحقيقي وعدم بقائه بقاء الأثر المطلوب من الشيء على ما كان من غير تغير ، وقلما يوجد اليوم في الأمور المصنوعة ووسائل الحياة - وهي ألوف وألوف - شيء لم يتغير ذاته عما حدث عليه أولا ، غير أن بقاء الأثر والخاصة أبقى لكل واحد منها اسمه الأول الذي وضع له.

وفي اللغات شيء كثير من القسم الأول وهو اللفظ المنقول من معنى محسوس إلى معنى معقول يعثر عليه المتتبع البصير.

فقد تحصل أن استعمال الكلام والقول فيما مر مع فرض بقاء الأثر والخاصة استعمال حقيقي لا مجازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت