فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 4314

و أما لفظ القول فقد عم في كلامه تعالى الإنسان وغيره فقال تعالى في مورد الإنسان:"فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك:"طه - 117 ، وقال تعالى في مورد الملائكة:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة:"البقرة - 30 ، وقال أيضا:"إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين:"ص - 71 ، وقال في مورد إبليس"قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي:"ص - 75 ، وقال تعالى في غير مورد أولي العقل:"ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين:"فصلت - 11 ، وقال تعالى:"قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم:"الأنبياء - 69 ، وقال تعالى: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي: هود - 44 ، ويجمع الجميع على كثرة مواردها وتشتتها قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون: يس - 82 ، وقوله تعالى: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون: مريم - 35.

والذي يعطيه التدبر في كلامه تعالى حيث يستعمل القول في الموارد المذكورة مما له سمع وإدراك بالمعنى المعهود عندنا كالإنسان مثلا ، ومما سبيله التكوين وليس له سمع وإدراك بالمعنى المعهود عندنا كالأرض والسماء ، وحيث إن الآيتين الأخيرتين بمنزلة التفسير لما يتقدمهما من الآيات أن القول منه تعالى إيجاد أمر يدل على المعنى المقصود.

فأما في التكوينيات فنفس الشيء الذي أوجده تعالى وخلقه هو شيء مخلوق موجود ، وهو بعينه قول له تعالى لدلالته بوجوده على خصوص إرادته سبحانه فإن من المعلوم أنه إذا أراد شيئا فقال له كن فكان ليس هناك لفظ متوسط بينه تعالى وبين الشيء ، وليس هناك غير نفس وجود الشيء ، فهو بعينه مخلوق وهو بعينه قوله ، كن ، فقوله في التكوينيات نفس الفعل وهو الإيجاد وهو الوجود وهو نفس الشيء.

وأما في غير التكوينيات كمورد الإنسان مثلا فبإيجاده تعالى أمرا يوجب علما باطنيا في الإنسان بأن كذا كذا ، وذلك إما بإيجاد صوت عند جسم من الأجسام ، أو بنحو آخر لا ندركه ، أو لا ندرك كيفية تأثيره في نفس النبي بحيث يوجد معه علم في نفسه بأن كذا كذا على حد ما مر في الكلام.

وكذلك القول في قوله تعالى للملائكة أو الشيطان ، لكن يختص هذان النوعان وما شابههما لو كان لهما شبيه بخصوصية ، وهي أن الكلام والقول المعهود فيما بيننا إنما هو باستخدام الصوت أو الإشارة بضميمة الاعتبار الوضعي الذي يستوجبه فينا فطرتنا الحيوانية الاجتماعية ، ومن المعلوم على ما يعطيه كلامه تعالى أن الملك والشيطان ليس وجودهما من سنخ وجودنا الحيواني الاجتماعي وليس في وجودهما هذا التكامل التدريجي العلمي الذي يستدعي وضع الأمور الاعتبارية.

ويظهر من ذلك: أن ليس فيما بين الملائكة ولا فيما بين الشياطين هذا النوع من التفهيم والتفهم الذهني المستخدم فيه الاعتبار اللغوي والأصوات المؤلفة الموضوعة للمعاني ، وعلى هذا فلا يكون تحقق القول فيما بينهم أنفسهم نظير تحققه فيما بيننا أفراد الإنسان بصدور صوت مؤلف تأليفا لفظيا وضعيا من فم مشقوق ينضم إليه أعضاء فعالة للصوت من واحد ، والتأثر من ذلك بإحساس أذن مشقوق ينضم إليها أعضاء آخذة للصوت المقروع من واحد آخر وهو ظاهر ، لكن حقيقة القول موجودة فيما بين نوعيهما بحيث يترتب عليه أثر القول وخاصته وهو فهم المعنى المقصود وإدراكه فبين الملائكة أو الشياطين قول لا كنحو قولنا ، وكذا بين الله سبحانه وبينهم قول لا بنحو إيجاد الصوت واللفظ الموضوع وإسماعه لهم كما سمعت.

وكذلك القول في ما ينسب إلى نوع الحيوانات العجم من القول في القرآن الكريم كقوله تعالى: قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم: النمل - 18 ، وقال تعالى فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين: النمل - 22 ، وكذا ما يذكر فيه من قول الله تعالى ووحيه إليهم كقوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون: النحل - 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت