بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم (1) عسق (2) كَذَلِك يُوحِى إِلَيْك وَإِلى الّذِينَ مِن قَبْلِك اللّهُ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (3) لَهُ مَا في السمَوَتِ وَمَا في الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلىّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السمَوت يَتَفَطرْنَ مِن فَوْقِهِنّ وَالْمَلَئكَةُ يُسبِّحُونَ بحَمْدِ رَبهِمْ وَيَستَغْفِرُونَ لِمَن في الأَرْضِ أَلا إِنّ اللّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ (5) وَالّذِينَ اتخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللّهُ حَفِيظٌ عَلَيهِمْ وَمَا أَنت عَلَيهِم بِوَكِيلٍ (6)
تتكلم السورة حول الوحي الذي هو نوع تكليم من الله سبحانه لأنبيائه ورسله كما يدل عليه ما في مفتتحها من قوله:"كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله"الآية وما في مختتمها من قوله:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إلخ"الآيات ، ورجوع الكلام إليه مرة بعد أخرى في قوله:"و كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا"الآية ، وقوله:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا"الآية ، وقوله:"الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان"الآية وما يتكرر في السورة من حديث الرزق على ما سيجيء.
فالوحي هو الموضوع الذي يجري عليه الكلام في السورة وما فيها من التعرض لآيات التوحيد وصفات المؤمنين والكفار وما يستقبل كلا من الفريقين في معادهم ورجوعهم إلى الله سبحانه مقصود بالقصد الثاني وكلام جره كلام.
والسورة مكية وقد استثني قوله:"و الذين استجابوا لربهم"إلى تمام ثلاث آيات ، وقوله:"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"إلى تمام أربع آيات وسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"حم عسق"من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل عدة من السور القرآنية ، وذلك من مختصات القرآن الكريم لا يوجد في غيره من الكتب السماوية.
وقد اختلف المفسرون من القدماء والمتأخرين في تفسيرها وقد نقل عنهم الطبرسي في مجمع البيان أحد عشر قولا في معناها: أحدها: أنها من المتشابهات التي استأثر الله سبحانه بعلمها لا يعلم تأويلها إلا هو.
الثاني: أن كلا منها اسم للسورة التي وقعت في مفتتحها.
الثالث: أنها أسماء القرآن أي لمجموعه.
الرابع: أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى فقوله:"الم"معناه أنا الله أعلم ، وقوله:"المر"معناه أنا الله أعلم وأرى ، وقوله:"المص"معناه أنا الله أعلم وأفصل ، وقوله:"كهيعص"الكاف من الكافي ، والهاء من الهادي ، والياء من الحكيم ، والعين من العليم ، والصاد من الصادق ، وهو مروي عن ابن عباس ، والحروف المأخوذة من الأسماء مختلفة في أخذها فمنها ما هو مأخوذ من أول الاسم كالكاف من الكافي ، ومنها ما هو مأخوذ من وسطه كالياء من الحكيم ، ومنها ما هو مأخوذ من آخر الكلمة كالميم من أعلم.
الخامس: أنها أسماء لله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم تقول: الر وحم ون يكون الرحمن وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على تأليفها وهو مروي عن سعيد بن جبير.
السادس: أنها أقسام أقسم الله بها فكأنه هو أقسم بهذه الحروف على أن القرآن كلامه وهي شريفة لكونها مباني كتبه المنزلة ، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وأصول لغات الأمم على اختلافها.
السابع: أنها إشارات إلى آلائه تعالى وبلائه ومدة الأقوام وأعمارهم وآجالهم.
الثامن: أن المراد بها الإشارة إلى بقاء هذه الأمة على ما يدل عليه حساب الجمل.
التاسع: أن المراد بها حروف المعجم وقد استغنى بذكر ما ذكر منها عن ذكر الباقي كما يقال: أب ويراد به جميع الحروف.
العاشر: أنها تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا يستمعوا للقرآن وأن يلغوا فيه كما حكاه القرآن عنهم بقوله:"لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه"الآية ، فربما صفروا وربما صفقوا وربما غلطوا فيه ليغلطوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلاوته ، فأنزل الله تعالى هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها استغربوها واستمعوا إليها وتفكروا فيها واشتغلوا بها عن شأنهم فوقع القرآن في مسامعهم.