فهرس الكتاب

الصفحة 3661 من 4314

الحادي عشر: أنها من قبيل تعداد حروف التهجي والمراد بها أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم وكلامكم فإذا لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من عند الله تعالى ، وإنما كررت الحروف في مواضع استظهارا في الحجة ، وهو مروي عن قطرب واختاره أبو مسلم الأصبهاني وإليه يميل جمع من المتأخرين.

فهذه أحد عشر قولا وفيما نقل عنهم ما يمكن أن يجعل قولا آخر كما نقل عن ابن عباس في"الم"أن الألف إشارة إلى الله واللام إلى جبريل والميم إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما عن بعضهم أن الحروف المقطعة في أوائل السور المفتتحة بها إشارة إلى الغرض المبين فيها كان يقال: إن"ن"إشارة إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و"ق"إشارة إلى القرآن أو القهر الإلهي المذكور في السورة ، وما عن بعضهم أن هذه الحروف للإيقاظ.

والحق أن شيئا من هذه الأقوال لا تطمئن إليه النفس: أما القول الأول فقد تقدم في بحث المحكم والمتشابه في أوائل الجزء الثالث من الكتاب أنه أحد الأقوال في معنى المتشابه وعرفت أن الإحكام والتشابه من صفات الآيات التي لها دلالة لفظية على مداليلها ، وأن التأويل ليس من قبيل المداليل اللفظية بل التأويلات حقائق واقعية تنبعث من مضامين البيانات القرآنية أعم من محكماتها ومتشابهاتها ، وعلى هذا فلا هذه الحروف المقطعة متشابهات ولا معانيها المراد بها تأويلات لها.

وأما الأقوال العشرة الآخر فإنما هي تصويرات لا تتعدى حد الاحتمال ولا دليل يدل على شيء منها.

نعم في بعض الروايات المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعض التأييد للقول الرابع والسابع والثامن والعاشر وسيأتي نقلها والكلام في مفادها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.

والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتى وهي تسع وعشرون سورة افتتح بعضها بحرف واحد وهي ص وق ون ، وبعضها بحرفين وهي سور طه وطس ويس وحم.

وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي"الم"و"الر"و"طسم"وبعضها بأربعة أحرف كما في سورتي"المص"و"المر"وبعضها بخمسة أحرف كما في سورتي"كهيعص"و"حمعسق".

وتختلف هذه الحروف أيضا من حيث أن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل"ن"وبعضها واقعة في مفتتح عدة من السور مثل"الم"و"الر"و"طس"و"حم".

ثم إنك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم ، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور.

ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من قوله:"تنزيل الكتاب من الله"أو ما هو في معناه ، وما في مفتتح الراءات من قوله:"تلك آيات الكتاب"أو ما هو في معناه ، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين ، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه.

ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذا الحروف المقطعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطا خاصا ، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة بالمص في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات وص ، وكذا سورة الرعد المصدرة بالمر في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراءات.

ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا.

ولعل المتدبر لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض تبين له الأمر أزيد من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت