46 سورة الأحقاف - 15 - 20
وَوَصيْنَا الانسنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسنًا حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرْهًا وَوَضعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصلُهُ ثَلَثُونَ شهْرًا حَتى إِذَا بَلَغَ أَشدّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سنَةً قَالَ رَب أَوْزِعْنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَك الّتى أَنْعَمْت عَلىّ وَعَلى وَلِدَى وَأَنْ أَعْمَلَ صلِحًا تَرْضاهُ وَأَصلِحْ لى في ذُرِّيّتى إِنى تُبْت إِلَيْك وَإِنى مِنَ الْمُسلِمِينَ (15) أُولَئك الّذِينَ نَتَقَبّلُ عَنهُمْ أَحْسنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سيِّئَاتهِمْ في أَصحَبِ الجَْنّةِ وَعْدَ الصدْقِ الّذِى كانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لّكُمَا أَ تَعِدَانِنى أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلى وَهُمَا يَستَغِيثَانِ اللّهَ وَيْلَك ءَامِنْ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (17) أُولَئك الّذِينَ حَقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِْنِّ وَالانسِ إِنهُمْ كانُوا خَسِرِينَ (18) وَلِكلٍّ دَرَجَتٌ ممّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لا يُظلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَض الّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طيِّبَتِكمْ في حَيَاتِكمُ الدّنْيَا وَاستَمْتَعْتُم بهَا فَالْيَوْمَ تجْزَوْنَ عَذَاب الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَستَكْبرُونَ في الأَرْضِ بِغَيرِ الحَْقِّ وَبمَا كُنتُمْ تَفْسقُونَ (20)
لما قسم الناس في قوله:"لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين"إلى ظالمين ومحسنين وأشير فيه إلى أن للظالمين ما يخاف ويحذر وللمحسنين ما يسر الإنسان ويبشر به عقب ذلك في هذا الفصل من الآيات بتفصيل القول فيه ، وأن الناس بين قوم تائبين إلى الله مسلمين له وهم الذين يتقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وقوم خاسرين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس.
ومثل الطائفة الأولى بمن كان مؤمنا بالله مسلما له بارا بوالديه يسأل الله أن يلهمه الشكر على ما أنعم عليه وعلى والديه والعمل الصالح وإصلاح ذريته ، والطائفة الثانية بمن كان عاقا لوالديه إذا دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر فيزجرهما ويعد ذلك من أساطير الأولين.
قوله تعالى:"و وصينا الإنسان بوالديه إحسانا"إلى آخر الآية ، الوصية على ما ذكره الراغب هو التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ والتوصية تفعيل من الوصية قال تعالى:"و وصى بها إبراهيم بنيه": البقرة: 132 ، فمفعوله الثاني الذي يتعدى إليه بالباء من قبيل الأفعال ، فالمراد بالتوصية بالوالدين التوصية بعمل يتعلق بهما وهو الإحسان إليهما.
وعلى هذا فتقدير الكلام: ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا.
وفي إعراب:"إحسانا"أقوال أخر كقول بعضهم: إنه مفعول مطلق على تضمين"وصينا"معنى أحسنا ، والتقدير: وصينا الإنسان محسنين إليهما إحسانا ، وقول بعضهم: إنه صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان ، وقول بعضهم: هو مفعول له ، والتقدير: وصيناه بهما لإحساننا إليهما ، إلى غير ذلك مما قيل.
وكيف كان فبر الوالدين والإحسان إليهما من الأحكام العامة المشرعة في جميع الشرائع كما تقدم في تفسير قوله تعالى:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا": الأنعام: 151 ، ولذلك قال:"و وصينا الإنسان"فعممه لكل إنسان.
ثم عقبه سبحانه بالإشارة إلى ما قاسته أمه في حمله ووضعه وفصاله إشعارا بملاك الحكم وتهييجا لعواطفه وإثارة لغريزة رحمته ورأفته فقال:"حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا"أي حملته أمه حملا ذا كره أي مشقة وذلك لما في حمله من الثقل ، ووضعته وضعا ذا كره وذلك لما عنده من ألم الطلق.
وأما قوله:"و حمله وفصاله ثلاثون شهرا"فقد أخذ فيه أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر ، والحولان الباقيان إلى تمام ثلاثين شهرا مدة الرضاع ، قال تعالى:"و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين": البقرة: 233 ، وقال:"و فصاله في عامين": لقمان: 14.