فهرس الكتاب

الصفحة 3765 من 4314

و الفصال التفريق بين الصبي وبين الرضاع ، وجعل العامين ظرفا للفصال بعناية أنه في آخر الرضاع ولا يتحقق إلا بانقضاء عامين.

وقوله:"حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة"بلوغ الأشد بلوغ زمان من العمر تشتد فيه قوى الإنسان ، وقد مر نقل اختلافهم في معنى بلوغ الأشد في تفسير قوله:"و لما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما": يوسف: 22 ، وبلوغ الأربعين ملازم عادة لكمال العقل.

وقوله:"قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه"الإيزاع الإلهام ، وهذا الإلهام ليس بإلهام علم يعلم به الإنسان ما جهلته نفسه بحسب الطبع كما في قوله:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8 ، بل هو إلهام عملي بمعنى البعث والدعوة الباطنية إلى فعل الخير وشكر النعمة وبالجملة العمل الصالح.

وقد أطلق النعمة التي سأل إلهام الشكر عليها فتعم النعم الظاهرية كالحياة والرزق والشعور والإرادة ، والباطنية كالإيمان بالله والإسلام والخشوع له والتوكل عليه والتفويض إليه ففي قوله:"رب أوزعني أن أشكر نعمتك"إلخ ، سؤال أن يلهمه الثناء عليه بإظهار نعمته قولا وفعلا: أما قولا فظاهر ، وأما فعلا فباستعمال هذه النعم استعمالا يظهر به أنها لله سبحانه أنعم بها عليه وليست له من قبل نفسه ولازمه ظهور العبودية والمملوكية من هذا الإنسان في قوله وفعله جميعا.

وتفسير النعمة بقوله:"التي أنعمت علي وعلى والدي"يفيد شكره من قبل نفسه على ما اختص به من النعمة ومن قبل والديه فيما أنعم به عليهما فهو لسان ذاكر لهما بعدهما.

وقوله:"و أن أعمل صالحا ترضاه"عطف على قوله:"أن أشكر"إلخ ، سؤال متمم لسؤال الشكر على النعم فإن الشكر يحلي ظاهر الأعمال ، والصلاحية التي يرتضيها الله تعالى تحلي باطنها وتخلصها له تعالى.

وقوله:"و أصلح لي في ذريتي"الإصلاح في الذرية إيجاد الصلاح فيهم وهو من الله سبحانه توفيقهم للعمل الصالح وينجر إلى إصلاح نفوسهم ، وتقييد الإصلاح بقوله:"لي"للدلالة على أن يكون إصلاحهم بنحو ينتفع هو به أي أن يكون ذريته له في بره وإحسانه كما كان هو لوالديه.

ومحصل الدعاء سؤال أن يلهمه الله شكر نعمته وصالح العمل وأن يكون بارا محسنا بوالديه ويكون ذريته له كما كان هو لوالديه ، وقد تقدم غير مرة أن شكر نعمه تعالى بحقيقة معناه هو كون العبد خالصا لله فيئول معنى الدعاء إلى سؤال خلوص النفس وصلاح العمل.

وقوله:"إني تبت إليك وإني من المسلمين"أي الذين يسلمون الأمر لك فلا تريد شيئا إلا أرادوه بل لا يريدون إلا ما أردت.

والجملة في مقام التعليل لما يتضمنه الدعاء من المطالب ، ويتبين بالآية حيث ذكر الدعاء ولم يرده بل أيده بما وعد في قوله:"أولئك الذين نتقبل عنهم"إلخ ، إن التوبة والإسلام لله سبحانه إذا اجتمعا في العبد استعقب ذلك الهامة تعالى بما يصير به العبد من المخلصين - بفتح اللام - ذاتا والمخلصين - بكسر اللام - عملا أما إخلاص الذات فقد تقدمت الإشارة إليه آنفا ، وأما إخلاص العمل فلأن العمل لا يكون صالحا لقبوله تعالى مرفوعا إليه إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم ، قال تعالى:"ألا لله الدين الخالص": الزمر: 3.

قوله تعالى:"أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة"إلخ ، التقبل أبلغ من القبول ، والمراد بأحسن ما عملوا طاعاتهم من الواجبات والمندوبات فإنها هي المقبولة المتقبلة وأما المباحات فإنها وإن كانت ذات حسن لكنها ليست بمتقبلة ، كذا ذكر في مجمع البيان وهو تفسير حسن ويؤيده مقابلة تقبل أحسن ما عملوا بالتجاوز عن السيئات فكأنه قيل: إن أعمالهم طاعات من الواجبات والمندوبات وهي أحسن أعمالهم فنتقبلها وسيئات فنتجاوز عنها وما ليس بطاعة ولا حسنة فلا شأن له من قبول وغيره.

وقوله:"في أصحاب الجنة"متعلق بقوله:"نتجاوز"أي نتجاوز عن سيئاتهم في جملة من نتجاوز عن سيئاتهم من أصحاب الجنة ، فهو حال من ضمير"عنهم".

وقوله:"وعد الصدق الذي كانوا يوعدون"أي يعدهم الله بهذا الكلام وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه إلى هذا الحين بلسان الأنبياء والرسل ، أو المراد أنه ينجز لهم بهذا التقبل والتجاوز يوم القيامة وعد الصدق الذي كانوا يوعدونه في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت