و منه يعلم أن منشأ توجه العذاب إليهم هو ما كانوا يطعنون به في الإسلام في الظاهر وما يبطنون من المكر كأنه قيل: إنهم يستحقون العذاب بإظهارهم القول في هذه الدعوة الإلهية وإضمارهم المكر عليه فهددهم به لكن لما كنت لا تحيط بظاهر قولهم وباطن مكرهم ولا تقف على مقدار اقتضاء جرمهم العذاب من جهة قرب الأجل وبعده فأنف العلم بخصوصية قربه وبعده عن نفسك وأرجع العلم بذلك إلى الله سبحانه وحده.
وقد علم بذلك أن المراد بالجهر من القول ما أظهره المشركون من القول في الإسلام طعنا واستهزاء ، وبما كانوا يكتمون ما أبطنوه عليه من المكر والخدعة.
قوله تعالى:"و إن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين"من تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المأمور به وضمير"لعله"على ما قيل كناية عن غير مذكور ولعله راجع إلى الإيذان المأمور به ، والمعنى وما أدري لعل هذا الإيذان الذي أمرت به أي مراده تعالى من أمره لي بإعلام الخطر امتحان لكم ليظهر به ما في باطنكم في أمر الدعوة فهو يريد به أن يمتحنكم ويمتعكم إلى حين وأجل استدراجا وإمهالا.
قوله تعالى:"قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون"الضمير في"قال"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية حكاية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن دعوتهم إلى الحق وردهم له وتوليهم عنه فكأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما دعاهم وبلغ إليهم ما أمر بتبليغه فأنكروا وشددوا فيه أعرض عنهم إلى ربه منيبا إليه وقال:"رب احكم بالحق"وتقييد الحكم بالحق توضيحي لا احترازي فإن حكمه تعالى لا يكون إلا حقا فكأنه قيل: رب احكم بحكمك الحق والمراد ظهور الحق لمن كان وعلى من كان.
ثم التفت (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم وقال:"و ربنا الرحمن المستعان على ما تصفون"وكأنه يشير به إلى سبب إعراضه عنهم ورجوعه إلى الله سبحانه وسؤاله أن يحكم بالحق فهو سبحانه ربه وربهم جميعا فله أن يحكم بين مربوبيه ، وهو كثير الرحمة لا يخيب سائله المنيب إليه ، وهو الذي يحكم لا معقب لحكمه وهو الذي يحق الحق ويبطل الباطل بكلماته فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمته:"رب احكم بالحق"راجع الذي هو ربه وربهم وسأله برحمته أن يحكم بالحق واستعان به على ما يصفونه من الباطل وهو نعتهم دينهم بما ليس فيه وطعنهم في الدين الحق بما هو بريء من ذلك.
وقد ظهر بما تقدم بعض ما في مفردات الآية الكريمة من النكات كالالتفات من الخطاب إلى الغيبة في"قال"والتعبير عنه تعالى أولا بربي وثانيا بربنا وتوصيفه بالرحمن والمستعان إلى غير ذلك.
وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"و حرام على قرية أهلكناها"الآية: روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: كل قرية أهلكها الله بعذاب فإنهم لا يرجعون.
وفي تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية يعني قوله:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم"وجد منها أهل مكة وجدا شديدا فدخل عليهم عبد الله بن الزبعري وكفار قريش يخوضون في هذه الآية ، فقال ابن الزبعري: أ محمد تكلم بهذه الآية؟ فقالوا: نعم قال ابن الزبعري: لئن اعترف بها لأخصمنه فجمع بينهما. فقال: يا محمد أ رأيت الآية التي قرأت آنفا فينا وفي آلهتنا خاصة أم الأمم وآلهتهم؟ فقال: بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وفي آلهتهم إلا من استثنى الله فقال ابن الزبعري: خصمتك والله أ لست تثني على عيسى خيرا؟ وقد عرفت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة أ فليس هؤلاء مع الآلهة في النار: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا فضجت قريش وضحكوا قالت قريش: خصمك ابن الزبعري. فقال رسول الله: قلتم الباطل أ ما قلت: إلا من استثنى الله وهو قوله تعالى:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها - وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون".