أقول: وقد روي الحديث أيضا من طرق أهل السنة لكن المتن في هذا الطريق أمتن مما ورد من طريقهم وأسلم وهو ما عن ابن عباس قال: لما نزلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - أنتم لها واردون"شق ذلك على أهل مكة وقالوا شتم الآلهة فقال ابن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي فدعي فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله؟ قال: بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة. أ لست تزعم يا محمد أن عيسى عبد صالح وأن عزير عبد صالح وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى قال: فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا وهذه بنو مليح تعبد الملائكة فضج أهل مكة وفرحوا. فنزلت:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى"عزير وعيسى والملائكة أولئك عنها مبعدون"ونزلت"و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون".
وفي هذا المتن أولا: ذكر اسم عزير والواقعة في أوائل البعثة بمكة ولم يذكر اسمه في شيء من السور المكية وإنما ذكر في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزلت بالمدينة.
وثانيا: قوله:"و هذه اليهود تعبد عزيرا واليهود لا تعبد عزيرا وإنما قالوا عزير ابن الله تشريفا كما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه."
وثالثا: ما اشتمل عليه من نزول قوله:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون"بعد اعتراف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعموم قوله:"إنكم وما تعبدون"لكل معبود من دون الله ، ونقض ابن الزبعري ذلك بعيسى وعزير والملائكة وهذا من ورود البيان بعد وقت الحاجة وأشد تأييدا لوقوع التهمة.
ورابعا: اشتماله على نزول قوله:"و لما ضرب ابن مريم مثلا"الآية في الواقعة ولا ارتباط لمضمونها بها أصلا.
ونظيره ما شاع بينهم أن ابن الزبعري اعترض بذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت: وما تعبدون ، وما لم يعقل ، ولم أقل: ومن تعبدون.
وفيه من الخلل ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: إني قلت كذا ولم أقل كذا ومن الواجب أن يجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يتلفظ في آية قرآنية بمثل"قلت كذا ولم أقل كذا"ونقل عن الحافظ ابن حجر أن الحديث لا أصل له ولم يوجد في شيء من كتب الحديث لا مسند ولا غير مسند.
ونظيره في الضعف ما ورد في حديث آخر يقص هذه القصة أن ابن الزبعري قال: أ أنت قلت ذلك؟ قال: نعم قال: قد خصمتك ورب الكعبة أ ليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى"الحديث وذلك أن الحجة المنسوبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث تنفع ابن الزبعري أكثر مما تضره فإن الحجة كما تخرج عزيرا وعيسى والملائكة عن شمول الآية كذلك تخرج الآلهة التي هي أصنام فإنها تشارك المذكورين في أنها لا خبر لها عن عبادة عابديها ولا رضى منها بذلك إذ لا شعور لها فتختص الآية بالشياطين ولا تشمل الأصنام وهو خلاف ما نسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من دعوى شمول الآية لآلهتهم وتصديقه.
ونظيره في الضعف ما في الدر المنثور ، عن البزار عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - أنتم لها واردون"ثم نسخها قوله:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون".
ووجه الضعف ظاهر ولو كان هناك شيء فهو التخصيص.
وفي أمالي الصدوق ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش ، يفزع الناس ولا تفزعون ، ويحزن الناس ولا تحزنون فيكم نزلت هذه الآية"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون"وفيكم نزلت"لا يحزنهم الفزع الأكبر - وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون".