و يؤيد ذلك قوله بعد هذا النهي:"و اعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة"إلخ فإن ظاهر السياق أنه متصل بما قبله غير مستقل عنه ، ويفيد حينئذ أن موعظتهم في أمر الأموال والأولاد مع النهي عن خيانة الله والرسول وأماناتهم إنما هو لإخبار المخبر منهم المشركين بأسرار رسول الله المكتومة ، استمالة منهم مخافة أن يتعدوا على أموالهم وأولادهم الذين تركوهم بمكة بالهجرة إلى المدينة ، فصاروا يخبرونهم بالأخبار إلقاء للمودة واستبقاء للمال والولد أو ما يشابه ذلك نظير ما كان من أبي لبابة مع بني قريظة.
وهذا يؤيد ما ورد في سبب النزول أن أبا سفيان خرج من مكة بمال كثير فأخبر جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخروجه وأشار عليه بالخروج إليه وكتمان أمره فكتب إليه بعضهم بالخبر فأنزل الله:"يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون"وفي نزول الآية بعض أحاديث أخر سيأتي إن شاء الله في البحث الروائي التالي.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم"الفرقان ما يفرق به بين الشيء والشيء ، وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى الفرقان بين الحق والباطل سواء كان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر وكل هدى وضلال أو في العمل بالتمييز بين الطاعة والمعصية وكل ما يرضي الله أو يسخطه ، أو في الرأي والنظر بالفصل بين الصواب والخطإ فإن ذلك كله مما تثمره شجرة التقوى ، وقد أطلق الفرقان في الآية ولم يقيده قد عد جمل الخير والشر في الآيات السابقة والجميع يحتاج إلى الفرقان.
ونظير الآية بحسب المعنى قوله تعالى:"و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه"وقد تقدم الكلام في معنى تكفير السيئات والمغفرة ، والآية بمنزلة تلخيص الكلام في الأوامر والنواهي التي تتضمنها الآيات السابقة أي إن تتقوا الله لم يختلط عندكم ما يرضي الله في جميع ما تقدم بما يسخطه ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم.
في الكافي ، بإسناده عن عقيل الخزاعي: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال ، ضلال في الدين وسلب للدنيا مع الذل والصغار ، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال يقول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا - فلا تولوهم الأدبار"وفي الفقيه ، والعلل ، بإسناده عن ابن شاذان: أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: حرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين ، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة ، وترك نصرتهم على الأعداء ، والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل ، وترك الجور وإماتة الفساد ، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين ، وما يكون في ذلك من السبي والقتل وإبطال دين الله عز وجل وغيره من الفساد. أقول: وقد استفاضت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الفرار من الزحف من المعاصي الكبيرة الموبقة ، وقد تقدم طرف منها في البحث عن الكبائر في تفسير قوله تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم: النساء: - 31 في الجزء الرابع من الكتاب."
وعلى ذلك روايات من طرق أهل السنة كما في صحيحي البخاري ، ومسلم ، عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، وهناك روايات أخرى عن ابن عباس وغيره تدل على كون الفرار من الزحف من الكبائر.
نعم قوله تعالى:"الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين"الآية يقيد إطلاق آية تحريم الفرار بما دون الثلاثة لواحد.