و قد روي من طرقهم عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم كما في الدر المنثور: أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية خاص بيوم بدر.
وربما وجه ذلك بأن الآية نزلت يوم بدر ، وأن الظرف في قوله"و من يولهم يومئذ دبره"إشارة إلى يوم بدر ، وقد عرفت أن سياق الآيات يشهد بنزولها بعد يوم بدر ، وأن المراد بقوله:"يومئذ"هو يوم الزحف لا يوم بدر.
على أنه لو فرض نزولها يوم بدر لم يوجب خصوص السبب في عموم مدلول الآية شيئا كما في سائر الآيات التي جمعت بين عموم الدلالة وخصوص السبب.
قال صاحب المنار في تفسيره: وإنما قد يتجه بناء التخصيص على قرينة الحال لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافا للجمهور - مع ما لغزوة بدر من الخصائص ككونها أول غزوة في الإسلام لو انهزم فيها المسلمون والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم لكانت الفتنة كبيرة.
وتأييد المسلمين بالملائكة يثبتونهم ، ووعده تعالى بنصرهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.
فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص وقرينة الحال في النهي اتجه كون التحريم المقرون بالوعيد الشديد الذي في الآية خاصا بها.
أضف إلى ذلك أن الله تعالى امتحن الصحابة رض بالتولي والإدبار في القتال مرتين مع وجوده (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم: يوم أحد وفيه يقول الله تعالى 3: 155 إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ويوم حنين ، وفيه يقول الله تعالى 9: 25 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين - 26 ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين إلخ ، وهذا لا ينافي كون التولي حراما ومن الكبائر ، ولا يقتضي أن يكون كل تول لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله ومأواه جهنم وبئس المصير بل قد يكون دون ذلك ، ويتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة ، وبالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة البقرة وسيأتي تفصيله قريبا.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن عمر قال:"كنت في سرية من سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فإن كان لنا توبة وإلا ذهبنا ، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون. قال: بل أنتم العكارون إنا فئتكم وفئة المسلمين. قال: فأتينا حتى قبلنا يده."و لفظ أبي داود"فقلنا: ندخل المدينة فنبيت فيها لنذهب ولا يرانا أحد فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا فجلسنا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون إلخ."
تأول بعضهم هذا الحديث بتوسع في معنى التحيز إلى فئة لا يبقى معه للوعيد معنى ولا للغة حكم ، وقد قال الترمذي فيه: حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد أقول: وهو مختلف فيه ضعفه الكثيرون ، وقال ابن حبان كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير فوقعت المناكير في حديثه فمن سمع منه قبل التغير فسماعه صحيح ، وجملة القول: أن هذا الحديث لا وزن له في هذه المسألة لا متنا ولا سندا ، وفي معناه أثر عن عمر هو دونه فلا يوضع في ميزان هذه المسألة.
انتهى.
أقول: والذي نقله في أول كلامه من الوجوه والقرائن المحتفة بغزوة بدر من كونه أول غزوة في الإسلام ، وكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ونحو ذلك مشتركة بحسب حقيقة الملاك بينها وبين أمثال غزوة أحد والخندق وخيبر وحنين ، والإسلام أيامئذ في حاجة شديدة إلى الرجال المقاتلين وثباتهم في الزحوف ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بينهم ، والله وعدهم بالنصر وأنزل في بعضها الملائكة لتأييدهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.