فهرس الكتاب

الصفحة 1795 من 4314

و ما عده في الآية من أحوال المؤمنين ومننه عليهم بالإيواء وإن كانت مما يختص بالمهاجرين منهم دون الأنصار إلا أن المراد الامتنان على جميعهم من المهاجرين والأنصار فإنهم أمة واحدة يوحدهم دين واحد.

على أن فيما ذكره الله في الآية من مننه التأييد بالنصر والرزق من الطيبات وهما يعمان الجميع ، هذا بحسب ما تقتضيه الآية من حيث وقوعها في سياق آيات بدر ، ولكن هي وحدها وباعتبار نفسها تعم جميع المسلمين من حيث إنهم أمة واحدة يرجع لاحقهم إلى سابقهم فقد بدا ظهور الإسلام فيهم وهم قليل مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم بالمدينة وكثرهم بالأنصار وأيدهم بنصره في بدر وغيره ورزقهم من جميع الطيبات الغنائم وغيرها من سائر النعم لعلهم يشكرون.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون"إلى آخر الآيتين.

الخيانة نقض الأمانة التي هي حفظ الأمن لحق من الحقوق بعهد أو وصية ونحو ذلك ، قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ، ونقيض الخيانة الأمانة يقال: خنت فلانا ، وخنت أمانة فلان وعلى ذلك قوله: لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم.

انتهى.

وقوله:"و تخونوا أماناتكم"من الجائز أن يكون مجزوما معطوفا على تخونوا السابق ، والمعنى: ولا تخونوا أماناتكم ، وأن يكون منصوبا بحذف أن والتقدير: وأن تخونوا أماناتكم ويؤيد الوجه الثاني قوله بعده:"و أنتم تعلمون".

وذلك أن الخيانة وإن كانت إنما يتعلق النهي التحريمي بها عند العلم فلا نهي مع جهل بالموضوع ولا تحريم غير أن العلم من الشرائط العامة التي لا ينجز تكليف من التكاليف المولوية إلا به فلا نكتة ظاهرة في تقييد النهي عن الخيانة بالعلم مع أن العلم لكونه شرطا عاما مستغنى عن ذكره ، وظاهر قوله:"و أنتم تعلمون"بحذف متعلقات الفعل أن المراد: ولكم علم بأنه خيانة لا ما قيل: إن المعنى: وأنتم تعلمون مفاسد الخيانة وسوء عاقبتها وتحريم الله إياها فإن ذلك لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا من جهة السياق.

فالوجه أن تكون الجملة بتقدير: وأن تخونوا أماناتكم ، ويكون مجموع قوله:"لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"نهيا واحدا متعلقا بنوع خيانة هي خيانة أمانة الله ورسوله وهي بعينها خيانة لأمانة المؤمنين أنفسهم فإن من الأمانة ما هي أمانة الله سبحانه عند الناس كأحكامه المشرعة من عنده ومنها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنة ، ومنها ما هي أمانة الناس بعضهم عند بعض كالأمانات من أموالهم أو أسرارهم ، ومنها ما يشترك فيه الله ورسوله والمؤمنون ، وهي الأمور التي أمر بها الله سبحانه وأجراها الرسول وينتفع بها الناس ويقوم بها صلب مجتمعهم كالأسرار السياسية والمقاصد الحربية التي تضيع بإفشائها آمال الدين وتضل بإذاعتها مساعي الحكومة الإسلامية فيبطل به حق الله ورسوله ويعود ضرره إلى عامة المؤمنين.

فهذا النوع من الأمانة خيانته خيانة لله ورسوله وللمؤمنين فالخائن بهذه الخيانة من المؤمنين يخون الله والرسول وهو يعلم أن هذه الأمانة التي يخونها أمانة لنفسه ولسائر إخوانه المؤمنين وهو يخون أمانة نفسه ، ولن يقدم عاقل على الخيانة لأمانة نفسه فإن الإنسان بعقله الموهوب له يدرك قبح الخيانة للأمانة فكيف يخون أمانة نفسه.

فالمراد بقوله:"و تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون"- والله أعلم - وتخونوا في ضمن خيانة الله والرسول أماناتكم والحال أنكم تعلمون أنها أمانات أنفسكم وتخونونها ، وأي عاقل يقدم على خيانة أمانة نفسه والإضرار بما لا يعود إلا إلى شخصه فتذييل النهي بقوله:"و أنتم تعلمون"لتهييج العصبية الحقة وإثارة قضاء الفطرة لا لبيان شرط من شرائط التكليف.

فكأن بعض أفراد المسلمين كان يفشي أمورا من عزائم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المكتومة من المشركين أو يخبرهم ببعض أسراره فسماه الله تعالى خيانة ونهى عنه ، وعدها خيانة لله والرسول والمؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت