فهرس الكتاب

الصفحة 1794 من 4314

و من شمول مشامتها وتعرق فسادها أن الأمة لا تستطيع الخروج من أليم عذابها حتى بعد التنبه منهم لسوء فعالهم وتفريطهم في جنب الله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق.

وقد تفطن بعض المفسرين بأن الآية تحذر الأمة وتهددهم بفتنة تشمل عامتهم وتفرق جمعهم ، وتشتت شملهم ، وتوعدهم بعذاب الله الشديد ، وقد أحسن التفطن غير أنه تكلف في توجيه العذاب بالعذاب الدنيوي ، وتمحل في تقييد ما في الآية من إطلاق العقاب ، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد.

ولنرجع إلى لفظ الآية: أما على قراءة أهل البيت (عليهم السلام) وزيد:"و اتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"فاللام في"لتصيبن"للقسم والنون الثقيلة لتأكيده ، والتقدير: واتقوا فتنة أقسم لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، وخاصة حال من الفتنة ، والمعنى اتقوا فتنة تختص إصابته بالذين ظلموا منكم أيها المخاطبون وهم الذين آمنوا ، وعليك أن تتذكر ما سلف بيانه أن لفظ:"الذين آمنوا"في القرآن خطاب تشريفي للمؤمنين في أول البعثة وبدء انتشار الدعوة لو لا قرينة صارفة عن ذلك ، ثم تذكر أن فتن صدر الإسلام تنتهي إلى أصحاب بدر ، والآية على أي حال يأمر الجميع أن يتقوا فتنة تثيرها بعضهم ، وليس إلا لأن أثرها السيىء يعم الجميع كما تقدم.

وأما على قراءة المشهور:"و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"فقد ذكروا: أن لا في"لا تصيبن"ناهية والنون لتأكيد النهي ، وليس"لا تصيبن"جوابا للأمر في"اتقوا"بل الكلام جار مجرى الابتداء والاستيناف كقوله تعالى:"يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده:"النمل: - 18 فقد قال أولا:"و اتقوا فتنة"ثم استأنف وقال:"لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"لاتصال الجملتين معنى.

وربما جوز بعض النحاة أن يكون"لا تصيبن"نهيا واردا في جواب الأمر كما يقال: اتق زيدا لا يضربك أو لا يضربنك والتقدير: اتق زيدا فإنك إن اتقيته لا يضربك ولم يشترط في نون التأكيد أن لا يدخل الخبر.

وربما قال بعضهم: إن لا زائدة والمعنى: اتقوا فتنة تصيبن الآية.

وربما ذكر آخرون:"أن أصل لا تصيبن""لتصيبن"أشبعت فتحة اللام حتى تولدت الألف ، وإشباع الفتحة ليس بعزيز في الشعر قال: فأنت من الغوائل حين ترمي ومن ذم الرجال بمنتزاح.

يريد: بمنتزح ، والوجهان بعيدان لا يحمل على مثلهما كلامه تعالى.

ومآل المعنى على هذا الوجه أي على قراءة لا"تصيبن"أيضا إلى ما تفيده القراءة الأولى"لتصيبن"كما عرفت.

والآية - كما عرفت - تتضمن خطابا اجتماعيا متوجها إلى مجموع الأمة وذلك يؤيد كون الخطاب في الآية السابقة:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"خطابا اجتماعيا متوجها إلى كافة المؤمنين ، ويتفرع عليه أن المراد بالدعوة إلى ما يحييهم الدعوة إلى الاتفاق على الاعتصام بحبل الله وإقامة الدين وعدم التفرق فيه كما قال:"و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا": آل عمران: - 103 وقال:"أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه:"الشورى: - 13 وقوله:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": الأنعام: - 153.

وبهذا يتأيد بعض الوجوه المذكورة سابقا في قوله:"إذا دعاكم لما يحييكم"وكذا في قوله:"إن الله يحول بين المرء وقلبه"وتختص الآية به بحسب السياق وإن كانت تفيد معنى أوسع من ذلك باعتبار أخذها في نفسها مفردة عن السياق ، والباحث الناقد لا يعوز عليه تمييز ذلك والله الهادي.

قوله تعالى:"و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس"إلى آخر الآية.

الاستضعاف عد الشيء ضعيفا بتوهين أمره ، والتخطف والخطف والاختطاف أخذ الشيء بسرعة انتزاع ، والإيواء جعل الإنسان ذا مأوى ومسكن يرجع إليه ويأوي ، والتأييد من الأيد وهو القوة.

والسياق يدل على أن المراد بقوله:"إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض"الزمان الذي كان المسلمون محصورين بمكة قبل الهجرة وهم قليل مستضعفون ، وبقوله: تخافون أن يتخطفكم الناس"مشركوا العرب وصناديد قريش ، وبقوله"فآواكم"أي بالمدينة وبقوله"و أيدكم بنصره"ما أسبغ عليهم من نعمة النصر ببدر ، وبقوله:"و رزقكم من الطيبات"ما رزقهم من الغنائم وأحلها لهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت