فهرس الكتاب

الصفحة 1793 من 4314

و مما تقدم يظهر أن قوله:"و اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"إلخ تعليل لقوله تعالى:"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"على جميع التقادير من وجوه معناه.

وبذلك يظهر أيضا أن الآية أوسع معنى مما أورده المفسرون من تفسيرها: كقول من قال: إن المراد أن الله سبحانه أقرب إلى المرء من قلبه نظير قوله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، وفيه تحذير شديد.

وقول من قال: إن المراد أن القلب لا يستطيع أن يكتم الله حديثا فإن الله أقرب إلى قلب الإنسان من نفسه ، فما يعلمه الإنسان من قلبه يعلمه الله قبله.

وقول من قال: إن المراد أنه يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت فلا يمكنه استدراك ما فات فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة ودعوا التسويف ، وفيه حث على الطاعة قبل حلول المانع.

وقول من قال: معناه أن الله سبحانه يملك تقليب القلوب من حال إلى حال فكأنهم خافوا من القتال فأعلمهم الله سبحانه أنه يبدل خوفهم أمنا بأن يحول بينهم وبين ما يتفكرون فيه من أسباب الخوف.

وقد ورد في الحديث عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذلك أن الله سبحانه يحول بين الإنسان وبين أن يعلم أن الحق باطل أو أن الباطل حق ، وسيجيء في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب"قرأ علي والباقر (عليهما السلام) من أئمة أهل البيت وكذا زيد بن ثابت والربيع بن أنس وأبو العالية على ما في المجمع: لتصيبن باللام ونون التأكيد الثقيلة ، والقراءة المشهورة: لا تصيبن بلا الناهية ونون التأكيد الثقيلة.

وعلى أي تقدير كان ، تحذر الآية جميع المؤمنين عن فتنة تختص بالظالمين منهم ، ولا يتعداهم إلى غيرهم من الكفار والمشركين ، واختصاصها بالظالمين من المؤمنين وأمر عامتهم مع ذلك باتقائها يدل على أنها وإن كانت قائمة ببعض الجماعة لكن السيىء من أثرها يعم الجميع ثم قوله تعالى:"و اعلموا أن الله شديد العقاب"تهديد للجميع بالعقاب الشديد ولا دليل يدل على اختصاص هذا العقاب بالحياة الدنيا وكونه من العذاب الدنيوي من قبيل الاختلافات القومية وشيوع القتل والفساد وارتفاع الأمن والسلام ونحو ذلك.

ومقتضى ذلك أن تكون الفتنة المذكورة على اختصاصها ببعض القوم مما يوجب على عامة الأمة أن يبادروا على دفعها ، ويقطعوا دابرها ويطفئوا لهيب نارها بما أوجب الله عليهم من النهي عن المنكر والأمر بالمعروف.

فيئول معنى الكلام إلى تحذير عامة المسلمين عن المساهلة في أمر الاختلافات الداخلية التي تهدد وحدتهم وتوجب شق عصاهم واختلاف كلمتهم ، ولا تلبث دون أن تحزبهم أحزابا وتبعضهم أبعاضا ، وو يكون الملك لمن غلب منهم ، والغلبة لكلمة الفساد لا لكلمة الحق والدين الحنيف الذي يشترك فيه عامة المسلمين.

فهذه فتنة تقوم بالبعض منهم خاصة وهم الظالمون غير أن سيىء أثره يعم الكل ويشمل الجميع فيستوعبهم الذلة والمسكنة وكل ما يترقب من مر البلاء بنشوء الاختلاف فيما بينهم ، وهم جميعا مسئولون عند الله والله شديد العقاب.

وقد أبهم الله تعالى أمر هذه الفتنة ولم يعرفها بكمال اسمها ورسمها غير أن قوله فيما بعد:"لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"وقوله:"و اعلموا أن الله شديد العقاب"- كما تقدم - يوضحها بعض الإيضاح ، وهو أنها اختلاف البعض من الأمة مع بعض منها في أمر يعلم جميعه وجه الحق فيه فيجمح البعض عن قبول الحق ويقدم إلى المنكر بظلمه فلا يرد عونه عن ظلمه ولا ينهونه عن ما يأتيه من المنكر ، وليس كل ظلم ، بل الظلم الذي يسري سوء أثره إلى كافة المؤمنين وعامة الأمة لمكان أمره سبحانه الجميع باتقائه ، فالظلم الذي هو لبعض الأمة ويجب على الجميع أن يتقوه ليس إلا ما هو من قبيل التغلب على الحكومة الحقة الإسلامية ، والتظاهر بهدم القطعيات من الكتاب والسنة التي هي من حقوقها.

وأيا ما كان ففي الفتن الواقعة في صدر الإسلام ما ينطبق عليه الآية أوضح انطباق وقد انهدمت بها الوحدة الدينية ، وبدت الفرقة ونفدت القوة ، وذهبت الشوكة على ما اشتملت عليه من القتل والسبي والنهب وهتك الأعراض والحرمات وهجر الكتاب وإلغاء السنة ، وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت