فإذا دعاه داعي الحق إلى كلمة الحق ودين التوحيد الذي يحييه لو استجاب له ، كان عليه أن يستجيب داعي الله فإنه لا عذر له في ترك الاستجابة معللا بأنه لم يعرف حقية ما دعي إليه ، أو اختلط عليه ، أو أعيته المذاهب في الإقبال على الحق الصريح فإن الله سبحانه هو الحق الصريح الذي لا يحجبه حاجب ، ولا يستره ساتر إذ كل حجاب مفروض فالله سبحانه أقرب منه إلى الإنسان ، وكل ما يختلج في القلب من شبهة أو وسوسة فالله سبحانه متوسط متخلل بينه - مع ما له من ظرف وهو القلب - وبين الإنسان فلا سبيل للإنسان إلى الجهل بالله والشك في توحده.
وأيضا فإن الله سبحانه لما كان حائلا بين المرء وقلبه فهو أقرب إلى قلبه منه كما أنه أقرب إليه من قلبه فإن الحائل المتوسط أقرب إلى كل من الطرفين من الطرف الآخر وإذا كان تعالى أقرب إلى قلب الإنسان منه فهو أعلم بما في قلبه منه.
فعلى الإنسان إذا دعاه داعي الحق إلى ما يحييه من الحق أن يستجيب دعاءه بقلبه كما يستجيبه بلسانه ، ولا يضمر في قلبه ما لا يوافق ما لباه بلسانه وهو النفاق فإن الله أعلم بما في قلبه منه وسيحشر إليه فينبئه بحقيقة عمله ويخبره بما طواه في قلبه قال تعالى:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء:"المؤمن: - 16 ، وقال:"و لا يكتمون الله حديثا:"النساء: - 42.
وأيضا فإن الله سبحانه لما كان هو الحائل بين الإنسان وقلبه وهو المالك للقلب بحقيقة معنى الملك كان هو المتصرف في القلب قبل الإنسان وله أن يتصرف فيه بما شاء فما يجده الإنسان في قلبه من إيمان أو شك أو خوف أو رجاء أو طمأنينة أو قلق واضطراب أو غير ذلك مما ينسب إليه باختيار أو اضطرار ، فله انتساب إليه تعالى بتصرفه فيما هو أقرب إليه من كل شيء تصرفا بالتوفيق أو الخذلان أو أي نوع من أنواع التربية الإلهية ، يتصرف بما شاء ويحكم بما أراد من غير أن يمنعه مانع أو يهدده ذم أو لوم كما قال تعالى:"و الله يحكم لا معقب لحكمه:"الرعد: - 41 ، وقال تعالى:"له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير:"التغابن: - 1.
فمن الجهل أن يثق الإنسان بما يجد في قلبه من الإيمان بالحق أو التلبس بنية حسنة أو عزيمة على خير أو هم بصلاح وتقوى ، بمعنى أن يرى استقلاله بملك قلبه وقدرته المطلقة على ما يهم به فإن القلب بين أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء وهو المالك له بحقيقة معنى الملك والمحيط به بتمام معنى الكلمة ، قال تعالى:"و نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة:"الأنعام: - 110 ، فمن الواجب عليه أن يؤمن بالحق ويعزم على الخير على مخافة من الله تعالى أن يقلبه من السعادة إلى الشقاء ويحول قلبه من حال الاستقامة إلى حال الانتكاس والانحراف ، ولا يأمن مكر الله ، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وكذلك الإنسان إذا وجد قلبه غير مقبل على كلمة الحق والعزم على الخير وصالح العمل ، عليه أن يبادر إلى استجابة الله ورسوله فيما يدعوه إلى ما يحييه ، ولا ينهزم عما يهجم عليه من أسباب اليأس وعوامل القنوط من ناحية قلبه فإن الله سبحانه يحول بين المرء وقلبه ، وهو القادر على أن يصلح سره ويحول قلبه إلى أحسن حال ويشمله بروح منه ورحمة فإنما الأمر إليه ، وقد قال:"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون:"يوسف: - 87 ، وقال:"و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون:"الحجر: - 56.
فالآية الكريمة - كما ترى - من أجمع الآيات القرآنية تشتمل على معرفة حقيقية من المعارف الإلهية - مسألة الحيلولة - وهي تقطع عذر المتجاهلين في معرفة الله سبحانه من الكفار والمشركين ، وتقلع غرة النفاق من أصلها بتوجيه نفوس المنافقين إلى مقام ربهم وأنه أعلم بما في قلوبهم منهم ، ويلقي إلى المسلمين والذين هم في طريق الإيمان بالله وآياته مسألة نفسية تعلمهم أنهم غير مستقلين في ملك قلوبهم ولا منقطعون في ذلك من ربهم فيزول بذلك رذيلة الكبر عمن يرى لنفسه استقلالا وسلطنة فيما يملكه فلا يغره ما يشاهده من تقوى القلب وإيمان السر ، ورذيلة اليأس والقنوط عمن يحيط بقلبه دواهي الهوى ودواعي أعراض الدنيا فيتثاقل عن الإيمان بالحق والإقبال على الخير ، ويورثه ذلك اليأس والقنوط.