فهرس الكتاب

الصفحة 1791 من 4314

و يستعمل كثيرا في القرآن الكريم في الأمر الذي يدرك به الإنسان ويظهر به أحكام عواطفه الباطنة كالحب والبغض والخوف والرجاء والتمني والقلق ونحو ذلك فالقلب هو الذي يقضي ويحكم ، وهو الذي يحب شيئا ويبغض آخر ، وهو الذي يخاف ويرجو ويتمنى ويسر ويحزن ، وهو في الحقيقة النفس الإنسانية تفعل بما جهزت به من القوى والعواطف الباطنة.

والإنسان كسائر ما أبدعه الله من الأنواع التي هي أبعاض عالم الخلقة مركب من أجزاء شتى مجهز بقوى وأدوات تابعة لوجوده يملكها ويستخدمها في مقاصد وجوده ، والجميع مربوطة به ربطا يجعل شتات الأجزاء والأبعاض على كثرتها وتفاريق القوى والأدوات على تعددها ، واحدا تاما يفعل ويترك ، ويتحرك ويسكن ، بوحدته وفردانيته.

غير أن الله سبحانه لما كان هو المبدع للإنسان وهو الموجد لكل واحد واحد من أجزاء وجوده وتفاريق قواه وأدواته كان هو الذي يحيط به وبكل واحد من أجزاء وجوده وتوابعه ، ويملك كلا منها بحقيقة معنى الملك يتصرف فيه كيف يشاء ، ويملك الإنسان ما شاء منها كيف شاء فهو المتوسط الحائل بين الإنسان وبين كل جزء من أجزاء وجوده وكل تابع من توابع شخصه: بينه وبين قلبه ، بينه وبين سمعه ، بينه وبين بصره ، بينه ومن بدنه ، بينه وبين نفسه.

يتصرف فيها بإيجادها ، ويتصرف فيها بتمليك الأسنان ما شاء منها كيف شاء ، وإعطائه ما أعطي ، وحرمانه ما حرم.

ونظير الإنسان في ذلك سائر الموجودات فما من شيء في الكون وله ذات وتوابع ذات من قوى وآثار وأفعال إلا والله سبحانه هو المالك بحقيقة معنى الكلمة لذاته ولتوابع ذاته ، وهو المملك إياه كلا من ذاته وتوابع ذاته فهو الحائل المتوسط بينه وبين ذاته وبينه وبين توابع ذاته من قواه وآثاره وأفعاله.

فالله سبحانه هو الحائل المتوسط بين الإنسان وبين قلبه وكل ما يملكه الإنسان ويرتبط ويتصل هو به نوعا من الارتباط والاتصال وهو أقرب إليه من كل شيء كما قال تعالى:"و نحن أقرب إليه من حبل الوريد": ق: - 16.

وإلى هذه الحقيقة يشير قوله:"و اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون"فهو تعالى لكونه مالكا لكل شيء ومن جملتها الإنسان ملكا حقيقيا لا مالك حقيقة سواه ، أقرب إليه حتى من نفسه وقوى نفسه التي يملكها لأنه سبحانه هو الذي يملكه إياها فهو حائل متوسط بينه وبينها يملكه إياها ويربطها به فافهم ذلك.

ولذلك عقب الجملة بقوله:"و أنه إليه تحشرون"فإن الحشر والبعث هو الذي ينجلي عنده أن الملك الحق لله وحده لا شريك له ، ويبطل عند ذلك كل ملك صوري وسلطنة ظاهرية إلا ملكه الحق جل ثناؤه كما قال سبحانه:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار:"المؤمن: - 16 ، وقال:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله:"الإنفطار: - 19.

فكأن الآية تقول: واعلموا أن الله هو المالك بالحقيقة لكم ولقلوبكم وهو أقرب إليكم من كل شيء ، وأنه ستحشرون إليه فيظهر حقيقة ملكه لكم وسلطانه عليكم يومئذ فلا يغني عنكم منه شيء.

وأما اتصال الكلام أعني ارتباط قوله:"و اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"إلخ بقوله:"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"فلأن حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه ، يقطع منبت كل عذر في عدم استجابته لله والرسول إذا دعاه لما يحييه ، وهو التوحيد الذي هو حقيقة الدعوة الحقة فإن الله سبحانه لما كان أقرب إليه من كل شيء حتى من قلبه الذي يعرفه بوجدانه قبل كل شيء ، فهو تعالى وحده لا شريك له أعرف إليه من قلبه الذي هو وسيلة إدراكه وسبب أصل معرفته وعلمه.

فهو يعرف الله إلها واحدا لا شريك له قبل معرفته قلبه وكل ما يعرفه بقلبه ، فمهما شك في شيء أو ارتاب في أمر فلن يشك في إلهه الواحد الذي هو رب كل شيء ولن يضل في تشخيص هذه الكلمة الحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت