و للحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدق مما نراه بحسب النظر السطحي الساذج فإنا إنما نعرف من الحياة في بادىء النظر ما يعيش به الإنسان في نشأته الدنيوية إلى أن يحل به الموت ، وهي التي تصاحب الشعور والفعل الإرادي ، ويوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الإنسان أيضا من سائر الأنواع الحيوانية لكن الله سبحانه يقول:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت - 64 ويفيد ذلك أن الإنسان متمتع بهذه الحياة غير مشتغل إلا بالأوهام ، وأنه مشغول بها عما هو أهم وأوجب من غايات وجوده وأغراض روحه فهو في حجاب مضروب عليه يفصل بينه وبين حقيقة ما يطلبه ويبتغيه من الحياة.
وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى وهو من خطابات يوم القيامة:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: - 22.
فللإنسان حياة أخرى أعلى كعبا وأغلى قيمة من هذه الحياة الدنيوية التي يعدها الله سبحانه لعبا ولهوا ، وهي الحياة الأخروية التي سينكشف عن وجهها الغطاء ، وهي الحياة التي لا يشوبها اللعب واللهو ، ولا يدانيها اللغو والتأثيم ، لا يسير فيها الإنسان إلا بنور الإيمان وروح العبودية قال تعالى:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: - 22 وقال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام - 122.
فهذه حياة أخرى أرفع قدرا وأعلى منزلة من الحياة الدنيوية العامة التي ربما شارك فيها الحيوان العجم الإنسان ، ويظهر من أمثال قوله تعالى:"و أيدناه بروح القدس": البقرة: - 253 وقوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا"الآية: الشورى: - 52 أن هناك حياة أخرى فوق هاتين الحياتين المذكورتين سيوافيك البحث عنها فيما يناسبها من المورد إن شاء الله.
وبالجملة فللإنسان حياة حقيقية أشرف وأكمل من حياته الدينية الدنيوية يتلبس بها إذا تم استعداده بالتحلي بحلية الدين والدخول في زمرة الأولياء الصالحين كما تلبس بالحياة الدنيوية حين تم استعداده للتلبس بها وهو جنين إنساني.
وعلى ذلك ينطبق قوله تعالى في الآية المبحوث عنها:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"فالتلبس بما تندب إليه الدعوة الحقة من الإسلام يجر إلى الإنسان هذه الحياة الحقيقية كما أن هذه الحياة منبع ينبع منه الإسلام وينشأ منه العلم النافع والعمل الصالح ، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون:"النحل: - 97.
والآية أعني قوله فيها:"إذا دعاكم لما يحييكم"مطلق لا يأبى الشمول لجميع دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) المحيية للقلوب ، أو بعضها الذي فيه طبيعة الإحياء أو لنتائجها التي هي أنواع الحياة السعيدة الحقيقية كالحياة السعيدة في جوار الله سبحانه في الآخرة.
ومن هنا يظهر أن لا وجه لتقييد الآية بما قيدها به أكثر المفسرين فقد قال بعضهم: إن المراد بقوله:"إذا دعاكم لما يحييكم"بالنظر إلى مورد النزول: إذا دعاكم إلى الجهاد إذ فيه إحياء أمركم وإعزاز دينكم.
وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الشهادة في سبيل الله في جهاد عدوكم فإن الله سبحانه عد الشهداء أحياء كما في قوله:"و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: - 169.
وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الإيمان فإنه حياة القلب والكفر موته أو إذا دعاكم إلى الحق.
وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى القرآن والعلم في الدين لأن العلم حياة والجهل موت والقرآن نور وحياة وعلم.
وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الجنة لما فيها من الحياة الدائمة والنعمة الباقية الأبدية.
وهذه الوجوه المذكورة يقبل كل واحد منها انطباق الآية عليه غير أن الآية كما عرفت مطلقة لا موجب لصرفها عما لها من المعنى الوسيع.
قوله تعالى:"و اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون"الحيلولة هي التخلل وسطا ، والقلب العضو المعروف.