و من هنا يظهر أن الآية مطلقة ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين كما فعلوه فهم بين من يخصها بالوراثة الأخروية تمسكا بما يناسبها من الآيات ، وربما استدلوا لتعينه بأن الآية السابقة تذكر الإعادة ولا أرض بعد الإعادة حتى يرثها الصالحون ، ويرده أن كون الآية معطوفة على سابقتها غير متعين فمن الممكن أن تكون معطوفة على قوله السابق:"فمن يعمل من الصالحات"كما سنشير إليه.
وبين من يخصها بالوراثة الدنيوية ويحملها على زمان ظهور الإسلام أو ظهور المهدي (عليه السلام) الذي أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأخبار المتواترة المروية من طرق الفريقين ، ويتمسك لذلك بالآيات المناسبة له التي أومأنا إلى بعضها.
وبالجملة الآية مطلقة تعم الوراثتين جميعا غير أن الذي يقتضيه الاعتبار بالسياق أن تكون معطوفة على قوله السابق:"فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن"إلخ.
المشير إلى تفصيل حال المختلفين في أمر الدين من حيث الجزاء الأخروي وتكون هذه الآية مشيرة إلى تفصيلها من حيث الجزاء الدنيوي ، ويكون المحصل أنا أمرناهم بدين واحد لكنهم تقطعوا واختلفوا فاختلف مجازاتنا لهم أما في الآخرة فللمؤمنين سعي مشكور وعمل مكتوب وللكافرين خلاف ذلك ، وأما في الدنيا فللصالحين وراثة الأرض بخلاف غيرهم.
قوله تعالى:"إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين"البلاغ هو الكفاية ، وأيضا ما به بلوغ البغية ، وأيضا نفس البلوغ ، ومعنى الآية مستقيم على كل من المعاني الثلاثة ، والإشارة بهذا إلى ما بين في السورة من المعارف.
والمعنى: أن فيما بيناه في السورة أن الرب واحد لا رب غيره يجب أن يعبد من طريق النبوة ويستعد بذلك ليوم الحساب ، وأن جزاء المؤمنين كذا وكذا وجزاء الكافرين كيت وكيت - كفاية لقوم عابدين إن أخذوه وعملوا به كفاهم وبلغوا بذلك بغيتهم.
قوله تعالى:"و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"أي أنك رحمة مرسلة إلى الجماعات البشرية كلهم - والدليل عليه الجمع المحلى باللام - وذلك مقتضى عموم الرسالة.
وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لأهل الدنيا من جهة إتيانه بدين في الأخذ به سعادة أهل الدنيا في دنياهم وأخراهم.
وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لأهل الدنيا من حيث الآثار الحسنة التي سرت من قيامه بالدعوة الحقة في مجتمعاتهم مما يظهر ظهورا بالغا بقياس الحياة العامة البشرية اليوم إلى ما قبل بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطبيق إحدى الحياتين على الأخرى.
قوله تعالى:"قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون"أي إن الذي يوحى إلي من الدين ليس إلا التوحيد وما يتفرع عليه وينحل إليه سواء كان عقيدة أو حكما والدليل على هذا الذي ذكرنا ورود الحصر على الحصر وظهوره في الحصر الحقيقي.
قوله تعالى:"فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء"الإيذان - كما قيل - إفعال من الإذن وهو العلم بالإجازة في شيء وترخيصه ثم تجوز به عن مطلق العلم واشتق منه الأفعال وكثيرا ما يتضمن معنى التحذير والإنذار.
وقوله:"على سواء"الظاهر أنه حال من مفعول"آذنتكم"والمعنى فإن أعرضوا عن دعوتك وتولوا عن الإسلام لله بالتوحيد فقل: أعلمتكم أنكم على خطرها لكونكم مساوين في الإعلام أو في الخطر ، وقيل: أعلمتكم بالحرب وهو بعيد في سورة مكية.
قوله تعالى:"و إن أدري أ قريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون"تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المأمور به.
والمراد بقوله:"ما توعدون"ما يشير إليه قوله:"آذنتكم على سواء"من العذاب المهدد به أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا أن يعلمهم الخطر إن تولوا عن الإسلام ، وثانيا أن ينفي عن نفسه العلم بقرب وقوعه وبعده ويعلله بقصر العلم بالجهر من قولهم - وهو طعنهم في الإسلام واستهزاؤهم علنا - وما يكتمون من ذلك في الله سبحانه فهو العالم بحقيقة الأمر.