قوله تعالى:"يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده إلى آخر الآية ، قال في المفردات ،: والسجل قيل: حجر كان يكتب فيه ثم سمي كل ما يكتب فيه سجلا قال تعالى:"كطي السجل للكتب"أي كطيه لما كتب فيه حفظا له ، انتهى."
وهذا أوضح معنى قيل في معنى هذه الكلمة وأبسطه.
وعلى هذا فقوله:"للكتب"مفعول طي كما أن السجل فاعله والمراد أن السجل وهو الصحيفة المكتوب فيها الكتاب إذا طوي انطوى بطيه الكتاب وهو الألفاظ أو المعاني التي لها نوع تحقق وثبوت في السجل بتوسط الخطوط والنقوش فغاب الكتاب بذلك ولم يظهر منه عين ولا أثر كذلك السماء تنطوي بالقدرة الإلهية كما قال:"و السماوات مطويات بيمينه:"الزمر: 67 فتغيب عن غيره ولا يظهر منها عين ولا أثر غير أنها لا تغيب عن عالم الغيب وإن غاب عن غيره كما لا يغيب الكتاب عن السجل وإن غاب عن غيره.
فطي السماء على هذا رجوعها إلى خزائن الغيب بعد ما نزلت منها وقدرت كما قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر: 21 وقال مطلقا:"و إلى الله المصير:"آل عمران: 28 وقال:"إن إلى ربك الرجعى:"العلق: 8.
ولعله بالنظر إلى هذا المعنى قيل: إن قوله:"كما بدأنا أول خلق نعيده"ناظر إلى رجوع كل شيء إلى حاله التي كان عليها حين ابتدأ خلقه وهي أنه لم يكن شيئا مذكورا كما قال تعالى:"و قد خلقتك من قبل ولم تك شيئا:"مريم: 9 ، وقال"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا": الدهر: 1.
وهذا معنى ما نسب إلى ابن عباس أن معنى الآية يهلك كل شيء كما كان أول مرة وهو وإن كان مناسبا للاتصال بقوله:"يوم نطوي السماء"إلخ.
ليقع في مقام التعليل له لكن الأغلب على سياق الآيات السابقة بيان الإعادة بمعنى إرجاع الأشياء بعد فنائها لا الإعادة بمعنى إفناء الأشياء وإرجاعها إلى حالها قبل ظهورها بالوجود.
فظاهر سياق الآيات أن المراد نبعث الخلق كما بدأناه فالكاف في قوله:"كما بدأنا أول خلق نعيده"للتشبيه و"ما"مصدرية و"أول خلق"مفعول"بدأنا"والمراد أنا نعيد الخلق كابتدائه في السهولة من غير أن يعز علينا.
وقوله:"وعدا علينا إنا كنا فاعلين"أي وعدناه وعدا ألزمنا ذلك ووجب علينا الوفاء به وإنا كنا فاعلين لما وعدنا وسنتنا ذلك.
قوله تعالى:"و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"الظاهر أن المراد بالزبور كتاب داود (عليه السلام) وقد سمي بهذا الاسم في قوله:"و آتينا داود زبورا:"النساء: 163 ، إسراء: 55 ، وقيل: المراد به القرآن ، وقيل: مطلق الكتب المنزلة على الأنبياء أو على الأنبياء بعد موسى ولا دليل على شيء من ذلك.
والمراد بالذكر قيل: هو التوراة وقد سماها الله به في موضعين من هذه السورة وهما قوله:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون:"الآية - 7 وقوله:"و ذكرا للمتقين:"الآية - 48 منها ، وقيل: هو القرآن وقد سماه الله ذكرا في مواضع من كلامه وكون الزبور بعد الذكر على هذا القول بعدية رتبية لا زمانية وقيل: هو اللوح المحفوظ وهو كما ترى.
وقوله:"إن الأرض يرثها عبادي الصالحون"الوراثة والإرث على ما ذكره الراغب انتقال قنية إليك من غير معاملة.
والمراد من وراثة الأرض انتقال التسلط على منافعها إليهم واستقرار بركات الحياة بها فيهم ، وهذه البركات إما دنيوية راجعة إلى الحياة الدنيا كالتمتع الصالح بأمتعتها وزيناتها فيكون مؤدى الآية أن الأرض ستطهر من الشرك والمعصية ويسكنها مجتمع بشري صالح يعبدون الله ولا يشركون به شيئا كما يشير إليه قوله تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض - إلى قوله - يعبدونني لا يشركون بي شيئا:"النور: 55.
وإما أخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا فإنها من بركات الحياة الأرضية وهي نعيم الآخرة كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة:"و قالوا الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء:"الزمر: 74 وقوله:"أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس:"المؤمنون: 11.