و المعنى: لا يزال الأمر يجري هذا المجرى نكتب الأعمال الصالحة للمؤمنين ونشكر سعيهم ونهلك القرى الظالمة ونحرم رجوعهم بعد الهلاك إلى الزمان الذي يفتح فيه يأجوج ومأجوج أي سدهم أو طريقهم المسدود وهم أي يأجوج ومأجوج يخرجون إلى سائر الناس من ارتفاعات الأرض مسرعين نحوهم وهو من أشراط الساعة وأمارات القيامة كما يشير إليه بقوله:"فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا:"الكهف: 99 وقد استوفينا الكلام في معنى يأجوج ومأجوج والسد المضروب دونهم في تفسير سورة الكهف.
وقيل: ضمير الجمع للناس والمراد خروجهم من قبورهم إلى أرض المحشر.
وفيه أن سياق ما قبل الجملة"حتى إذا فتحت"إلخ.
وما بعدها"و اقترب الوعد الحق"لا يناسب هذا المعنى ، وكذا نفس الجملة من جهة كونها حالا.
على أن النسول من كل حدب - وقد اشتملت عليه الجملة - لا يصدق على الخروج من القبور ولذا قرأ صاحب هذا القول وهو مجاهد الجدث بالجيم والثاء المثلثة وهو القبر.
قوله تعالى:"و اقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا"إلخ.
المراد بالوعد الحق الساعة ، وشخوص البصر نظره بحيث لا تطرف أجفانه ، كذا ذكره الراغب وهو لازم كمال اهتمام الناظر بما ينظر إليه بحيث لا يشتغل بغيره ويكون غالبا في الشر الذي يظهر للإنسان بغتة.
وقوله:"يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا"حكاية قول الكفار إذا شاهدوا الساعة بغتة فدعوا لأنفسهم بالويل مدعين أنهم غفلوا عما يشاهدونه كأنهم أغفلوا إغفالا ثم أضربوا عن ذلك بالاعتراف بأن الغفلة لم تنشأ إلا عن ظلمهم بالاشتغال بما ينسي الآخرة ويغفل عنها من أمور الدنيا فقالوا:"بل كنا ظالمين".
قوله تعالى:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون"الحصب الوقود ، وقيل: الحطب ، وقيل: أصله ما يرمى في النار فيكون أعم.
والمراد بقوله:"و ما تعبدون من دون الله"ولم يقل: ومن تعبدون - مع تعبيره تعالى عن الأصنام في أغلب كلامه بألفاظ تختص بأولي العقل كما في قوله بعد:"ما وردوها"- الأصنام والتماثيل التي كانوا يعبدونها دون المعبودين من الأنبياء والصلحاء والملائكة كما قيل ويدل على ذلك قوله بعد:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى"إلخ.
والظاهر أن هذه الآيات من خطابات يوم القيامة للكفار وفيها القضاء بدخولهم في النار وخلودهم فيها لا أنها إخبار في الدنيا بما سيجري عليهم في الآخرة واستدلال على بطلان عبادة الأصنام واتخاذهم آلهة من دون الله.
وقوله:"أنتم لها واردون"اللام لتأكيد التعدي أو بمعنى إلى ، وظاهر السياق أن الخطاب شامل للكفار والآلهة جميعا أي أنتم وآلهتكم تردون جهنم أو تردون إليها.
قوله تعالى:"لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون"تفريع وإظهار لحقيقة حال الآلهة التي كانوا يعبدونها لتكون لهم شفعاء ، وقوله:"و كل فيها خالدون"أي كل منكم ومن الآلهة.
قوله تعالى:"لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون"الزفير هو الصوت برد النفس إلى داخل ولذا فسر بصوت الحمار ، وكونهم لا يسمعون جزاء عدم سمعهم في الدنيا كلمة الحق كما أنهم لا يبصرون جزاء لإعراضهم عن النظر في آيات الله في الدنيا.
وفي الآية عدول عن خطاب الكفار إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إعراضا عن خطابهم ليبين سوء حالهم لغيرهم ، وعليه فضمائر الجمع للكفار خاصة لا لهم وللآلهة معا.
قوله تعالى:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون"الحسنى مؤنث أحسن وهي وصف قائم مقام موصوفه والتقدير العدة أو الموعدة الحسنى بالنجاة أو بالجنة والموعدة بكل منهما وارد في كلامه تعالى قال:"ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا:"مريم: 72 وقال:"وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات:"التوبة: 72.
قوله تعالى:"لا يسمعون حسيسها"- إلى قوله - توعدون"الحسيس الصوت الذي يحس به ، والفزع الأكبر الخوف الأعظم وقد أخبر سبحانه عن وقوعه في نفخ الصور حيث قال:"و يوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض:"النمل: 87."
وقوله:"و تتلقاهم الملائكة"أي بالبشرى وهي قولهم:"هذا يومكم الذي كنتم توعدون".