و قوله:"و إنا له كاتبون"أي مثبتون في صحائف الأعمال إثباتا لا ينسى معه فالمراد بقوله:"فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون"إن عمله الصالح لا ينسى ولا يكفر.
والآية من الآيات الدالة على أن قبول العمل الصالح مشروط بالإيمان كما تؤيده آيات حبط الأعمال مع الكفر ، وتدل أيضا على أن المؤمن العامل لبعض الصالحات من أهل النجاة.
قوله تعالى:"و حرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون"الذي يستبق من الآية إلى الذهن بمعونة من سياق التفصيل أن يكون المراد أن أهل القرية التي أهلكناها لا يرجعون ثانيا إلى الدنيا ليحصلوا على ما فقدوه من نعمة الحياة ويتداركوا ما فوتوه من الصالحات وهو واقع محل أحد طرفي التفصيل الذي تضمن طرفه الآخر قوله:"فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن"إلخ.
فيكون الطرف الآخر من طرفي التفصيل أن من لم يكن مؤمنا قد عمل من الصالحات فليس له عمل مكتوب وسعي مشكور وإنما هو خائب خاسر ضل سعيه في الدنيا ولا سبيل له إلى حياة ثانية في الدنيا يتدارك فيها ما فاته.
غير أنه تعالى وضع المجتمع موضع الفرد إذ قال:"و حرام على قرية أهلكناها"ولم يقل: وحرام على من أهلكناه لأن فساد الفرد يسري بالطبع إلى المجتمع وينتهي إلى طغيانهم فيحق عليهم كلمة العذاب فيهلكون كما قال:"و إن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا: إسراء: 58."
ويمكن - على بعد - أن يكون المراد بالإهلاك الإهلاك بالذنوب بمعنى بطلان استعداد السعادة والهدى كما في قوله:"و إن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون:"الأنعام: 26 فتكون الآية في معنى قوله:"فإن الله لا يهدي من يضل:"النحل - 37 ، والمعنى وحرام على قوم أهلكناهم بذنوبهم وقضينا عليهم الضلال أن يرجعوا إلى التوبة وحال الاستقامة.
ومعنى الآية والقرية التي لم تعمل من الصالحات وهي مؤمنة وأنجز أمرها إلى الإهلاك ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السعي المشكور والعمل المكتوب المقبول.
وأما قوله:"أنهم لا يرجعون"وكان الظاهر أن يقال: إنهم يرجعون فالحق أنه مجاز عقلي وضع فيه نتيجة تعلق الفعل بشيء - أعني ما يئول إليه حال المتعلق بعد تعلقه به - موضع نفس المتعلق فنتيجة تعلق الحرمة برجوعهم عدم الرجوع فوضعت هذه النتيجة موضع نفس الرجوع الذي هو متعلق الحرمة وفي هذا الصنع إفادة نفوذ الفعل كأن الرجوع يصير بمجرد تعلق الحرمة عدم رجوع من غير تخلل فصل.
ونظيره أيضا قوله:"ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك:"الأعراف: 12 حيث إن تعلق المنع بالسجدة يئول إلى عدم السجدة فوضع عدم السجدة الذي هو النتيجة موضع نفس السجدة التي هي متعلق المنع.
ونظيره أيضا قوله:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا:"الأنعام: 151 حيث إن تعلق التحريم بالشرك ينتج عدم الشرك فوضع عدم الشرك الذي هو النتيجة مكان نفس الشرك الذي هو المتعلق وقد وجهنا هاتين الآيتين فيما مر بتوجيه آخر أيضا.
وللقوم في توجيه الآية وجوه: منها: أن لا زائدة والأصل أنهم يرجعون.
ومنها: أن الحرام بمعنى الواجب أي واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون واستدل على إتيان الحرام بمعنى الواجب بقول الخنساء: وإن حراما لا أرى الدهر باكيا.
على شجوة إلا بكيت على صخر.
ومنها: أن متعلق الحرمة محذوف والتقدير حرام على قرية أهلكناها بالذنوب أي وجدناها هالكة بها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون إلى التوبة.
ومنها: أن المراد بعدم الرجوع عدم الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث لا عدم الرجوع إلى الدنيا والمعنى - على استقامة اللفظ - وممتنع على قرية أهلكناها بطغيان أهلها أن لا يرجعوا إلينا للمجازاة وأنت خبير بما في كل من هذه الوجوه من الضعف.
قوله تعالى:"حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون"الحدب بفتحتين الارتفاع من الأرض بين الانخفاض ، والنسول الخروج بإسراع ومنه نسلان الذئب ، والسياق يقتضي أن يكون قوله:"حتى إذا فتحت"إلخ.
غاية للتفصيل المذكور في قوله:"فمن يعمل من الصالحات"إلى آخر الآيتين ، وأن يكون ضمير الجمع راجعا إلى يأجوج ومأجوج.