فهرس الكتاب

الصفحة 2983 من 4314

و في قوله:"أمة واحدة"إشارة إلى حجة الخطاب بالعبادة لله سبحانه فإن النوع الإنساني لما كان نوعا واحدا وأمة واحدة ذات مقصد واحد وهو سعادة الحياة الإنسانية لم يكن له إلا رب واحد إذ الربوبية والألوهية ليست من المناصب التشريفية الوضعية حتى يختار الإنسان منها لنفسه ما يشاء وكم يشاء وكيف يشاء بل هي مبدئية تكوينية لتدبير أمره ، والإنسان حقيقة نوعية واحدة ، والنظام الجاري في تدبير أمره نظام واحد متصل مرتبط بعض ، أجزائه ببعض ونظام التدبير الواحد لا يقوم به إلا مدبر واحد فلا معنى لأن يختلف الإنسان في أمر الربوبية فيتخذ بعضهم ربا غير ما يتخذه الآخر أو يسلك قوم في عبادته غير ما يسلكه الآخرون فالإنسان نوع واحد يجب أن يتخذ ربا واحدا هو رب بحقيقة الربوبية.

وهو الله عز اسمه.

وقيل: المراد بالأمة الدين ، والإشارة بهذه إلى دين الإسلام الذي كان دين الأنبياء والمراد بكونه أمة واحدة اجتماع الأنبياء بل إجماعهم عليه ، والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وهي ملة اتفقت الأنبياء (عليهم السلام) عليها.

وهو بعيد فإن استعمال الأمة في الدين لو جاز لكان تجوز الإيصال إليه إلا بقرينة صارفة ولا وجه للانصراف عن المعنى الحقيقي بعد صحته واستقامته وتأيده بسائر كلامه تعالى كقوله:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا:"يونس: 19 وهو - كما ترى - يتضمن إجمال ما يتضمنه هذه الآية والآية التي تليها.

على أن التعبير في قوله:"و أنا ربكم"بالرب دون الإله يبقى على ما ذكروه بلا وجه بخلاف أخذ الأمة بمعنى الجماعة فإن المعنى عليه إنكم نوع واحد وأنا المالك المدبر لأمركم فاعبدوني لتكونوا متخذين لي إلها.

وفي الآية وجوه كثيرة أخر ذكروها لكنها جميعا بعيدة من السياق تركنا إيرادها من أراد الوقوف عليها فليراجع المطولات.

قوله تعالى:"و تقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون"- التقطع على ما قال في مجمع البيان ، بمعنى التقطيع وهو التفريق ، وقيل: هو بمعناه المتبادر وهو التفرق والاختلاف و"أمرهم"منصوب بنزع الخافض ، والتقدير فتقطعوا في أمرهم وقيل"تقطعوا"مضمن معنى الجعل ولذا عدي إلى المفعول بنفسه.

وكيف كان فقوله:"و تقطعوا أمرهم بينهم"استعارة بالكناية والمراد به أنهم جعلوا هذا الأمر الواحد وهو دين التوحيد المندوب إليه من طريق النبوة وهو أمر وحداني قطعا متقطعة وزعوه فيما بينهم أخذ كل منهم شيئا منه وترك شيئا كالوثنيين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين على اختلاف طوائفهم وهذا نوع تقريع للناس وذم لاختلافهم في الدين وتركهم الأمر الإلهي أن يعبدوه وحده.

وقوله:"كل إلينا راجعون"فيه بيان أن اختلافهم في أمر الدين لا يترك سدى لا أثر له بل هؤلاء راجعون إلى الله جميعا وهم مجزيون حسب ما اختلفوا كما يلوح إليه التفصيل المذكور في قوله بعد:"فمن يعمل من الصالحات"إلخ.

والفصل في جملة:"كل إلينا راجعون"لكونها في معنى الجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فإلى م ينتهي اختلافهم في أمر الدين؟ وما ذا ينتج؟ فقيل: كل إلينا راجعون فنجازيهم كما علموا.

قوله تعالى:"فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون"تفصيل لحال المختلفين بحسب الجزاء الأخروي وسيأتي ما في معنى تفصيل جزائهم في الدنيا من قوله:"و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون".

فقوله:"فمن يعمل من الصالحات"أي من يعمل منهم شيئا من الأعمال الصالحات وقد قيد عمل بعض الصالحات بالإيمان إذ قال:"و هو مؤمن"فلا أثر للعمل الصالح بغير إيمان.

والمراد بالإيمان - على ما يظهر من السياق وخاصة قوله في الآية الماضية:"و أنا ربكم فاعبدون"- الإيمان بالله قطعا غير أن الإيمان بالله لا يفارق الإيمان بأنبيائه من دون استثناء لقوله:"إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض - إلى قوله - أولئك هم الكافرون حقا:"النساء: 151.

وقوله:"فلا كفران لسعيه"أي لا ستر على ما عمله من الصالحات والكفران يقابل الشكر ولذا عبر عن هذا المعنى في موضع آخر بقوله:"و كان سعيكم مشكورا:"الدهر: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت