فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 4314

و كون ولاية أمر الأمة مما لا غنى للدين عنه ظاهر لا ستر عليه ، وكيف يسوغ لمتوهم أن يتوهم أن الدين الذي يقرر بسعته لعامة البشر في عامة الأعصار والأقطار جميع ما يتعلق بالمعارف الأصلية ، والأصول الخلقية ، والأحكام الفرعية العامة لجميع حركات الإنسان وسكناته ، فرادى ومجتمعين على خلاف جميع القوانين العامة لا يحتاج إلى حافظ يحفظه حق الحفظ؟ أو أن الأمة الإسلامية والمجتمع الديني مستثنى من بين جميع المجتمعات الإنسانية مستغنية عن وال يتولى أمرها ومدبر يدبرها ومجر يجريها؟ وبأي عذر يمكن أن يعتذر إلى الباحث عن سيرة النبي الاجتماعية؟ حيث يرى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا خرج إلى غزوة خلف مكانه رجلا يدير رحى المجتمع ،: وقد خلف عليا مكانه على المدينة عند مسيره إلى تبوك فقال: يا رسول الله أ تخلفني على النساء والصبيان؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصب الولاة الحكام في ما بيد المسلمين من البلاد كمكة والطائف واليمن وغيرها ، ويؤمر رجالا على السرايا والجيوش التي يبعثها إلى الأطراف ، وأي فرق بين زمان حياته وما بعد مماته دون أن الحاجة إلى ذلك بعد غيبته بالموت أشد ، والضرورة إليه أمس ثم أمس.

قوله تعالى:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"خاطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة لكونها أنسب الصفات إلى ما تتضمنه الآية من الأمر بالتبليغ لحكم الله النازل فهو كالبرهان على وجوب التبليغ الذي تظهره الآية وتقرعه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الرسول لا شأن له إلا تبليغ ما حمل من الرسالة فتحمل الرسالة يفرض عليه القيام بالتبليغ.

ولم يصرح باسم هذا الذي أنزل إليه من ربه بل عبر عنه بالنعت وأنه شيء أنزل إليه ، إشعارا بتعظيمه ودلالة على أنه أمر ليس فيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صنع ، ولا له من أمره شيء ليكون كبرهان آخر على عدم خيرة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتمانه وتأخير تبليغه ، ويكون له عذرا في إظهاره على الناس ، وتلويحا إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مصيب في ما تفرسه منهم وتخوف عليه ، وإيماء إلى أنه مما يجب أن يظهر من ناحيته (صلى الله عليه وآله وسلم) وبلسانه وبيانه.

قوله تعالى:"و إن لم تفعل فما بلغت رسالته"المراد بقوله:"رسالته"وقرىء"رسالاته"كما تقدم مجموع رسالات الله سبحانه التي حملها رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد تقدم أن الكلام يفيد أهمية هذا الحكم المرموز إليه ، وأن له من المكانة ما لو لم يبلغه كأن لم يبلغ شيئا من الرسالات التي حملها.

فالكلام موضوع في صورة التهديد ، وحقيقته بيان أهمية الحكم ، وأنه بحيث لو لم يصل إلى الناس ، ولم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين فقوله:"و إن لم تفعل فما بلغت"جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجودا وعدما لترتب الجزاء الأهم عليه وجودا وعدما.

وليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا فإنا نستعمل"إن"الشرطية طبعا فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط ، وحاشا ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم النازل عليه من ربه وأن لا يبلغ ، وقد قال تعالى:"الله أعلم حيث يجعل رسالته":"الأنعام - 142".

فالجملة أعني قوله:"و إن لم تفعل فما بلغت"إلخ ، إنما تفيد التهديد بظاهرها وتفيد إعلامه (عليه السلام) وإعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية ، وأن الرسول معذور في تبليغه.

قوله تعالى:"و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين"قال الراغب: العصم بالفتح فالسكون الإمساك والاعتصام الاستمساك - إلى أن قال - والعصام بالكسر ما يعتصم به أي يشد ، وعصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم ، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق قال تعالى:"و الله يعصمك من الناس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت