فهرس الكتاب

الصفحة 1150 من 4314

فهذه كلها ليست مما يوجب وهن قاعدة الدين ، وإنما تدل - إذا دلت - على اضطراب القوم في أمرهم ، وعدم استقامتهم فيه على أن هذه الافتراءات والمرامي لا تختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يضطرب عند تفرسها ويخاف وقوعها فسائر الأنبياء والرسل يشاركونه في الابتلاء بهذه البلايا والمحن ، ومواجهة هذه المكاره من جملة أممهم كما حكاه الله تعالى عن نوح ومن بعده من الأنبياء المذكورين في القرآن.

بل إن كان شيء - ولا بد - فإنما يتصور بعد الهجرة واستقرار أمر الدين في المجتمع الإسلامي والمسلمون كالمعجون الخليط من صلحاء مؤمنين وقوم منافقين أولي قوة لا يستهان بأمرهم ، وآخرين في قلوبهم مرض وهم سماعون - كما نص عليه الكتاب العزيز - وهؤلاء كانوا يعاملون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - في عين أنهم آمنوا به واقعا أو ظاهرا - معاملة الملوك ، ومع دين الله معاملة القوانين الوضعية القومية كما يشعر بذلك طوائف من آيات الكتاب قد تقدم تفسير بعضها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب.

فكان من الممكن أن يكون تبليغ بعض الأحكام مما يوقع في الوهم انتفاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتشريعه وإجرائه يستوجب أن يقع في قلوبهم أنه ملك في صورة النبوة وقانون ملكي في هيئة الدين كما ربما وجد بعض شواهد ذلك في مطاوي كلمات بعضهم.

وهذه شبهة لو كانت وقعت هي أو ما يماثلها في قلوبهم ألقت إلى الدين من الفساد والضيعة ما لا يدفعه أي قوة دافعة ، ولا يصلحه أي تدبير مصلح فليس هذا الحكم النازل المأمور بتبليغه إلا حكما فيه توهم انتفاع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واختصاص له بمزية من المزايا الحيوية لا يشاركه فيها غيره من سائر المسلمين ، نظير ما في قصة زيد وتعدد الأزواج والاختصاص بخمس الغنائم ونظائر ذلك.

غير أن الخصائص إذا كانت مما لا تمس فيه عامة المسلمين لم يكن من طبعها إثارة الشبهة في القلوب فإن الإزدواج بزوجة المدعو ابنا مثلا لم يكن يختص به والإزدواج بأكثر من أربع نسوة لو كان تجويزه لنفسه عن هوى بغير إذن الله سبحانه لم يكن يمنعه أن يجوز مثل ذلك لسائر المسلمين ، وسيرته في إيثار المسلمين على نفسه في ما كان يأخذه لله ولنفسه من الأموال ونظائر هذه الأمور لا تدع ريبا لمرتاب ولا يشتبه أمرها لمشتبه دون أن تزول الشبهة.

فقد ظهر من جميع ما تقدم أن الآية تكشف عن حكم نازل فيه شوب انتفاع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واختصاصه بمزية حيوية مطلوبة لغيره أيضا يوجب تبليغه والعمل به حرمان الناس عنه فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاف إظهاره فأمره الله بتبليغه وشدد فيه ، ووعده العصمة من الناس وعدم هدايتهم في كيدهم إن كادوا فيه.

وهذا يؤيد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أن الآية نزلت في أمر ولاية علي (عليه السلام) ، وأن الله أمر بتبليغها وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاف أن يتهموه في ابن عمه ، ويؤخر تبليغها وقتا إلى وقت حتى نزلت الآية فبلغها بغدير خم ، وقال فيه: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت