فظهر أن ليس هذا الأمر الذي أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكدت الآية تبليغه هو مجموع الدين أو أصله على جميع تقاديره المفروضة ، فلنضع أنه بعض الدين ، والمعنى: بلغ الحكم الذي أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"إلخ"، ولازم هذا التقدير أن يكون المراد بالرسالة مجموع ما حمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدين ورسالته ، وإلا فالمحذور السابق وهو لزوم اللغو في الكلام على حاله إذ لو كان المراد بقوله:"رسالته"الرسالة الخاصة بهذا الحكم كان المعنى: بلغ هذا الحكم وإن لم تبلغه فما بلغته ، وهو لغو ظاهر.
فالمراد أن بلغ هذا الحكم وإن لم تبلغه فما بلغت أصل رسالته أو مجموعها ، وهو معنى صحيح معقول ، وحينئذ يرد الكلام نظير المورد الذي ورده قول أبي النجم:"أنا أبو النجم وشعري شعري".
وأما كون هذا الحكم بحيث لو لم يبلغ فكأنما لم تبلغ الرسالة فإنما ذلك لكون المعارف والأحكام الدينية مرتبطة بعضها ببعض بحيث لو أخل بأمر واحد منها أخل بجميعها وخاصة في التبليغ لكمال الارتباط ، وهذا التقدير وإن كان في نفسه مما لا بأس به لكن ذيل الآية وهو قوله:"و الله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين"لا يلائمه فإن هذا الذيل يكشف عن أن قوما كافرين من الناس هموا بمخالفة هذا الحكم النازل أو كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة ، ويتخذون أي تدبير يستطيعونه لإبطال هذه الدعوة وتركه سدى لا يؤثر أثرا ولا ينفع شيئا وقد وعد الله رسوله أن يعصمه منهم ، ويبطل مكرهم ، ولا يهديهم في كيدهم.
ولا يستقيم هذا المعنى مع أي حكم نازل فرض فإن المعارف والأحكام الدينية في الإسلام ليست جميعا في درجة واحدة ففيها التي هي عمود الدين ، وفيها الدعاء عند رؤية الهلال ، وفيها زنى المحصن وفيها النظر إلى الأجنبية ، ولا يصح فرض هذه المخافة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوعد بالعصمة من الله مع كل حكم حكم منها كيفما كان بل في بعض الأحكام.
فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم تبليغ غيره من الأحكام إلا لمكان أهميته ووقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا لأمر سائر الأحكام ، وصيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية والحس والحركة ، وتكون الآية حينئذ كاشفة عن أن الله سبحانه كان قد أمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم يتم به أمر الدين ويستوي به على عريشة القرار ، وكان من المترقب أن يخالفه الناس ويقلبوا الأمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين وتتلاشى أجزاؤه ، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتفرس ذلك ويخافهم على دعوته فيؤخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى أن تنجح فيه دعوته ، ولا يخيب مسعاه فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل ، وبين له أهمية الحكم ، ووعده أن يعصمه من الناس ، ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة.
وإنما يتصور تقليب أمر الدعوة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإبطال عمله بعد انتشار الدعوة الإسلامية لا من جانب المشركين ووثنية العرب أو غيرهم كأن تكون الآية نازلة في مكة قبل الهجرة ، وتكون مخافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الناس من جهة افترائهم عليه واتهامهم إياه في أمره كما حكاه الله سبحانه من قولهم:"معلم مجنون": الدخان: 14"."
وقولهم:"شاعر نتربص به ريب المنون":"الطور: 30": وقولهم:"ساحر أو مجنون":"الذاريات: 52"وقولهم:"إن تتبعون إلا رجلا مسحورا":"الإسراء: 47"وقولهم:"إن هذا إلا سحر يؤثر":"المدثر: 24"وقولهم:"أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا":"الفرقان: 5"وقولهم:"إنما يعلمه بشر":"النحل: 130"وقولهم:"أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد":"ص: 6"إلى غير ذلك من أقاويلهم فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .