فهرس الكتاب

الصفحة 1148 من 4314

فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخافهم ولم يكن مخافته من نفسه في جنب الله سبحانه فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شيء من أمر الله بمهجته فهذا شيء تكذبه سيرته الشريفة ومظاهر حياته ، على أن الله شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى:"ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا":"الأحزاب: 39"وقد قال تعالى في أمثال هذه الفروض:"فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين":"آل عمران - 157"، وقد مدح الله سبحانه طائفة من عباده بأنهم لم يخشوا الناس في عين أن الناس خوفوهم فقال:"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل":"آل عمران: 137".

وليس من الجائز أن يقال: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخاف على نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة وينقطع دابرها فكان يعوقه إلى حين ليس فيه هذه المفسدة فإن الله سبحانه يقول له (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ليس لك من الأمر شيء":"آل عمران: 182"، لم يكن الله سبحانه يعجزه لو قتلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحيي دعوته بأي وسيلة من الوسائل شاء ، وبأي سبب أراد.

نعم من الممكن أن يقدر لمعنى قوله:"و الله يعصمك من الناس"أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخاف الناس في أمر تبليغه أن يتهموه بما يفسد به الدعوة فسادا لا تنجح معه أبدا فقد كان أمثال هذا الرأي والاجتهاد جائزا له مأذونا فيه من دون أن يرجع معنى الخوف إلى نفسه بشيء.

ومن هنا يظهر أن الآية لم تنزل في بدء البعثة كما يراه بعض المفسرين إذ لا معنى حينئذ لقوله تعالى:"و الله يعصمك من الناس"إلا أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يماطل في إنجاز التبليغ خوفا من الناس على نفسه أن يقتلوه فيحرم الحياة أو أن يقتلوه ويذهب التبليغ باطلا لا أثر له فإن ذلك كله لا سبيل إلى احتماله.

على أن المراد بما أنزل إليه من ربه لو كان أصل الدين أو مجموعة في الآية عاد معنى قوله:"و إن لم تفعل فما بلغت رسالته"إلى نحو قولنا: يا أيها الرسول بلغ الدين وإن لم تبلغ الدين فما بلغت الدين.

وأما جعله من قبيل قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.

كما ذكره بعضهم أن معنى الآية: وإن لم تبلغ الرسالة فقد لزمك شناعة القصور في التبليغ والإهمال في المسارعة إلى ايتمار ما أمرك به الله سبحانه ، وأكده عليك كما أن معنى قول أبي النجم: إني أنا أبو النجم وشعري شعري المعروف بالبلاغة المشهور بالبراعة.

فإن ذلك فاسد لأن هذه الصناعة الكلامية إنما تصح في موارد العام والخاص والمطلق والمقيد ونظائر ذلك فيفاد بهذا السياق اتحادهما كقول أبي النجم: شعري شعري أي لا ينبغي أن يتوهم على متوهم أن قريحتي كلت أو أن الحوادث أعيتني أن أقول من الشعر ما كنت أقوله فشعري الذي أقول اليوم هو شعري الذي كنت أقوله بالأمس.

وأما قوله تعالى:"و إن لم تفعل فما بلغت رسالته"فليس يجري فيه مثل هذه العناية فإن الرسالة التي هي مجموع الدين أو أصله على تقدير نزول الآية في أول البعثة أمر واحد غير مختلف ولا متغير حتى يصح أن يقال: إن لم تبلغ هذه الرسالة فما بلغت تلك الرسالة أو لم تبلغ أصل الرسالة فإن المفروض أنه أصل الرسالة التي هي مجموع المعارف الدينية.

فقد تبين أن الآية بسياقها لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة ويكون المراد فيها بما أنزل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموع الدين أو أصله ، ويتبين بذلك أنها لا تصلح أن تكون نازلة في خصوص تبليغ مجموع الدين أو أصله في أي وقت آخر غير بدء البعثة فإن الإشكال إنما ينشأ من جهة لزوم اللغو في قوله تعالى:"و إن لم تفعل فما بلغت رسالته"كما مر.

على أن قوله:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"لا يلائم النزول في أي وقت آخر غير بدء البعثة على تقدير إرادة الرسالة بمجموع الدين أو أصله ، وهو ظاهر.

على أن محذور دلالة قوله:"و الله يعصمك من الناس"على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخاف الناس في تبليغه على حاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت