فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 4314

و أما قولهم: إن الصدقة بالخاتم لا تسمى زكاة ، فيدفعه أن تعين لفظ الزكاة في معناها المصطلح إنما تحقق في عرف المتشرعة بعد نزول القرآن بوجوبها وتشريعها في الدين ، وأما الذي تعطيه اللغة فهو أعم من الزكاة المصطلحة في عرف المتشرعة ويساوق عند الإطلاق أو عند مقابلة الصلاة إنفاق المال لوجه الله كما يظهر مما وقع فيما حكاه الله عن الأنبياء السالفين كقوله تعالى في إبراهيم وإسحاق ويعقوب:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة":"الأنبياء: 73"، وقوله تعالى في إسماعيل:"و كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا": مريم: 55"وقوله تعالى حكاية عن عيسى (عليه السلام) في المهد:"و أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا":"مريم: 31"ومن المعلوم أن ليس في شرائعهم الزكاة المالية بالمعنى الذي اصطلح عليه في الإسلام."

وكذا قوله تعالى:"قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى": الأعلى: 15"وقوله تعالى:"الذي يؤتي ماله يتزكى":"الليل: 18"وقوله تعالى:"الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون":"حم السجدة: 7"وقوله تعالى:"و الذين هم للزكاة فاعلون":"المؤمنون: 4 ، وغير ذلك من الآيات الواقعة في السور المكية وخاصة السور النازلة في أوائل البعثة كسورة حم السجدة وغيرها ، ولم تكن شرعت الزكاة المصطلحة بعد فليت شعري ما ذا كان يفهمه المسلمون من هذه الآيات في لفظ الزكاة.

بل آية الزكاة أعني قوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم":"التوبة: 130 ، تدل على أن الزكاة من أفراد الصدقة ، وإنما سميت زكاة لكون الصدقة مطهرة مزكية مطلقا ، وقد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة."

فتبين من جميع ما ذكرنا أنه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة والإنفاق في سبيل الله زكاة ، وتبين أيضا أن لا موجب لارتكاب خلاف الظاهر بحمل الركوع على معناه المجازي ، وكذا ارتكاب التوجيه في قوله"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"حيث أتى باسم إن وليكم مفردا وبقوله"الذين آمنوا"وهو خبر بالعطف بصيغة الجمع ، هذا.

قوله تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"قال الراغب في المفردات: الولاء بفتح الواو والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد ، والولاية النصرة ، والولاية تولي الأمر ، وقيل: الولاية والولاية بالفتح والكسر واحدة نحو الدلالة والدلالة وحقيقته تولي الأمر ، والولي والمولى يستعملان في ذلك ، كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي بكسر اللام ومعنى المفعول أي الموالى بفتح اللام يقال للمؤمن: هو ولي الله عز وجل ولم يرد مولاه ، وقد يقال: الله ولي المؤمنين ومولاهم.

قال: وقولهم: تولى إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع منه يقال: وليت سمعي كذا ، ووليت عيني كذا ، ووليت وجهي كذا أقبلت به عليه قال الله عز وجل:"فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره"وإذا عدي بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض وترك قربه.

انتهى.

والظاهر أن القرب الكذائي المعبر عنه بالولاية ، أول ما اعتبره الإنسان إنما اعتبره في الأجسام وأمكنتها وأزمنتها ثم استعير لأقسام القرب المعنوية بالعكس مما ذكره لأن هذا هو المحصل من البحث في حالات الإنسان الأولية فالنظر في أمر المحسوسات والاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكر في المعقولات والمعاني وأنحاء اعتبارها والتصرف فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت