و قوله:"استطعما أهلها"صفة لقرية ولم يقل:"استطعماهم"لرداءة قولنا: قرية استطعماهم بخلاف مثل قولنا: أتى قرية على إرادة أتى أهل قرية لأن للقرية نصيبا من الإتيان فيجوز وضعها موضع أهلها مجازا بخلاف الاستطعام لأنه لأهلها خاصة ، وعلى هذا فليس قوله:"أهلها"من وضع الظاهر موضع المضمر.
ولم يقل: حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها لأن القرية كانت تتمحض حينئذ في معناها الحقيقي والغرض العمدة - كما عرفت - متعلق بالجزاء أعني قوله:"قال لو شئت لتخذت عليه أجرا"وفيه ذكر أخذ الأجر وهو إنما يكون من أهلها لا منها فقوله:"أتيا أهل قرية"دليل على أن إقامة الجدار كانت بحضور من أهل القرية وهو الذي أغنى أن يقال: لو شئت لتخذت عليه منهم أو من أهلها أجرا فافهم ذلك.
والمراد بالاستطعام طلب الطعام بالإضافة ولذا قال:"فأبوا أن يضيفوهما"وقوله"فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض"الانقضاض السقوط ، وإرادة الانقضاض مجاز عن الإشراف على السقوط والانهدام ، وقوله:"فأقامه"أي أثبته الخضر بإصلاح شأنه ولم يذكر سبحانه كيف أقامه؟ بنحو خرق العادة أم ببناء أو ضرب دعامة؟ غير أن قول موسى:"لو شئت لتخذت عليه أجرا"مشعر بأنه كان بعمل غير خارق فإن المعهود من أخذ الأجر ، ما كان على العاديات.
وقوله:"قال لو شئت لتخذت 1 عليه أجرا"تخذ وأخذ بمعنى واحد ، وضمير"عليه"للإقامة المفهومة من"فأقامه"وهو مصدر جائز الوجهين ، والسياق يشهد أنهما كانا جائعين فذكره موسى أخذ الأجرة على عمله إذ لو كان أخذ أجرا أمكنهما أن يشتريا به شيئا من الطعام يسدان به جوعهما.
قوله تعالى:"قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا"الإشارة بهذا إلى قول موسى أي هذا القول سبب فراق بيني وبينك أو إلى الوقت أي هذا الوقت وقت فراق بيني وبينك كما قيل ، ويمكن أن تكون الإشارة إلى نفس الفراق ، والمعنى هذا الفراق قد حضر كأنه كان أمرا غائبا فحضر عند قول موسى:"لو شئت لتخذت"إلخ وقوله:"بيني وبينك"ولم يقل بيننا للتأكيد ، وإنما قال الخضر هذا القول بعد الاعتراض الثالث لأن موسى كان قبل ذلك يعتذر إليه كما في الأول أو يستمهله كما في الثاني ، وأما الفراق بعد الاعتراض الثالث فقد أعذره موسى فيه إذ قال بعد الاعتراض الثاني:"إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني"إلخ والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"أما السفينة فكانت لمساكين"إلخ شروع في تفصيل ما وعد إجمالا بقوله:"سأنبئك"إلخ وقوله:"أن أعيبها"أي أجعلها معيبة وهذه قرينة على أن المراد بكل سفينة كل سفينة غير معيبة.
وقوله:"و كان وراءهم ملك"وراء بمعنى الخلف وهو الظرف المقابل للظرف الآخر الذي يواجهه الإنسان ويسمى قدام وأمام لكن ربما يطلق على الظرف الذي يغفل عنه الإنسان وفيه من يريده بسوء أو مكروه وإن كان قدامه أو فيه ما يعرض عنه الإنسان أو فيه ما يشغل الإنسان بنفسه عن غيره كأن الإنسان ولى وجهه إلى جهة تخالف جهته قال تعالى:"فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون": المؤمنون: 7 ، وقال:"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب": الشورى: 51 ، وقال:"و الله من ورائهم": البروج: 20.
ومحصل المعنى: أن السفينة كانت لعدة من المساكين يعملون بها في البحر ويتعيشون به وكان هناك ملك جبار أمر بغصب السفن فأردت بخرقها أن أحدث فيها عيبا فلا يطمع فيها الجبار ويدعها لهم.
قوله تعالى:"و أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا"الأظهر من سياق الآية وما سيأتي من قوله:"و ما فعلته عن أمري"أن يكون المراد بالخشية التحذر عن رأفة ورحمة مجازا لا معناه الحقيقي الذي هو التأثر القلبي الخاص المنفي عنه تعالى وعن أنبيائه كما قال:"و لا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39 ، وأن يكون المراد بقوله:"أن يرهقهما طغيانا وكفرا"أن يغشيهما ذلك أي يحمل والديه على الطغيان والكفر بالإغواء والتأثير الروحي لمكان حبهما الشديد له لكن قوله في الآية التالية:"و أقرب رحما"لا تخلو من تأييد لكون"طغيانا وكفرا"تميزين عن الإرهاق أي وصفين للغلام دون أبويه.