قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"إلخ"، الظلل جمع ظلة وهي ما يستظل به ، وظاهر الآية أن الملائكة عطف على لفظ الجلالة ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة وتبديل خطابهم بخطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعراض عن مخاطبتهم بأن هؤلاء حالهم حال من ينتظر ما أوعدناهم به من القضاء على طبق ما يختارونه من اتباع خطوات الشيطان والاختلاف والتمزق ، وذلك بأن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ويقضي الأمر من حيث لا يشعرون ، أو بحيث لا يعبأ بهم وبما يقعون فيه من الهلاك ، وإلى الله ترجع الأمور ، فلا مفر من حكمه وقضائه ، فالسياق يقتضي أن يكون قوله: هل ينظرون ، هو الوعيد الذي أوعدهم به في قوله تعالى في الآية السابقة فاعلموا أن الله عزيز حكيم.
ثم إن من الضروري الثابت بالضرورة من الكتاب والسنة أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بصفة الأجسام ، ولا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضي بالحدوث ، ويلازم الفقر والحاجة والنقص ، فقد قال تعالى:"ليس كمثله شيء:"الشورى - 11 ، وقال تعالى:"و الله هو الغني:"الفاطر - 15 ، وقال تعالى:"الله خالق كل شيء:"الزمر - 62 ، إلى غير ذلك من الآيات ، وهي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن ، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شيء من الصفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها ، ويفهم منها معنى من المعاني لا ينافي صفاته العليا وأسماءه الحسنى تبارك وتعالى ، فالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى كقوله تعالى:"و جاء ربك والملك صفا صفا:"الفجر - 22 ، وقوله تعالى:"فأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا:"الحشر - 2 ، وقوله تعالى:"فأتى الله بنيانهم من القواعد:"النحل - 26 ، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست أسماؤه كالإحاطة ونحوها ولو مجازا ، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: إن يأتيهم الله الإحاطة بهم للقضاء في حقهم.
على أنا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب وفعلا من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربما نسبها إلى نفسه وربما نسبها إلى أمره كقوله تعالى:"الله يتوفى الأنفس:"الزمر - 42 ، وقوله تعالى:"يتوفيكم ملك الموت:"السجدة - 11 ، وقوله تعالى:"توفته رسلنا:"الأنعام - 61 ، فنسب التوفي تارة إلى نفسه ، وتارة إلى الملائكة ثم قال تعالى: في أمر الملائكة:"بأمره يعملون:"الأنبياء - 27 ، وكذلك قوله تعالى: إن ربك يقضي بينهم:"يونس - 93 ، وقوله تعالى:"فإذا جاء أمر الله قضي بالحق:"المؤمن - 78 ، وكما في هذه الآية: أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام الآية ، وقوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك:"النحل - 33.
وهذا يوجب صحة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى نظير: جاء ربك ، ويأتيهم الله ، فالتقدير جاء أمر ربك ويأتيهم أمر الله.
فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب على ما يراه جمهور المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ذلك ، وذلك أن أمثال قوله تعالى:"و الله هو الغني:"الفاطر - 15 ، وقوله تعالى:"العزيز الوهاب:"ص - 9 ، وقوله"تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:"طه - 50 ، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشئونها وأطوارها ، مليء بما يهبه ويجود به وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصفات ونسبته إليه تعالى ، لكن هذه المعاني إذا جردت عن قيود المادة وأوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى ، فإذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه صح إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك لأن كل ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته.