فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 4314

و يفسر جميع هذه الآيات ويوضحها قوله تعالى:"و ما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون:"العنكبوت - 64 ، يبين أن الحياة الدنيا إنما تسلب عنها حقيقة الحياة أي كمالها في مقابل ما تثبت للحياة الآخرة حقيقة الحياة وكمالها ، وهي الحياة التي لا موت بعدها ، قال تعالى:"آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى:"الدخان - 56 ، وقال تعالى: لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد:"ق - 35 ، فلهم في حياتهم الآخرة أن لا يعتريهم الموت ، ولا يعترضهم نقص في العيش وتنغص ، لكن الأول من الوصفين أعني الأمن هو الخاصة الحقيقة للحياة الضرورية له."

فالحياة الأخروية هي الحياة بحسب الحقيقة لعدم إمكان طرو الموت عليها بخلاف الحياة الدنيا ، لكن الله سبحانه مع ذلك أفاد في آيات أخر كثيرة أنه تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأخروية والمحيي للإنسان في الآخرة ، وبيده تعالى أزمة الأمور ، فأفاد ذلك أن الحياة الأخروية أيضا مملوكة لا مالكة ومسخرة لا مطلقة أعني أنها إنما ملكت خاصتها المذكورة بالله لا بنفسها.

ومن هنا يظهر أن الحياة الحقيقية يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها ولا يتصور ذلك إلا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ، قال تعالى:"و توكل على الحي الذي لا يموت:"الفرقان - 58 ، وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة ، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر بالذات.

ومن هنا يعلم: أن القصر في قوله تعالى:"هو الحي لا إله إلا هو"قصر حقيقي غير إضافي ، وأن حقيقة الحياة التي لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء وزوال هي حياته تعالى.

فالأوفق فيما نحن فيه من قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم الآية ، وكذا في قوله تعالى:"الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم:"آل عمران - 1 أن يكون لفظ الحي خبرا بعد خبر فيفيد الحصر لأن التقدير ، الله الحي فالآية تفيد أن الحياة لله محضا إلا ما أفاضه لغيره.

وأما اسم القيوم فهو على ما قيل: فيعول كالقيام فيعال من القيام وصف يدل على المبالغة و- القيام - هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة عليه والقدرة عليه ، كل ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب للملازمة العادية بين الانتصاب وبين كل منها.

وقد أثبت الله تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال تعالى:"أ فمن هو قائم على كل نفس بما كسبت:"الرعد - 33 ، وقال تعالى وهو أشمل من الآية السابقة -:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم:"آل عمران - 18 ، فأفاد أنه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي ولا يمنع شيئا في الوجود وليس الوجود إلا الإعطاء والمنع إلا بالعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه ثم بين أن هذا القيام بالعدل مقتضى اسميه الكريمين: العزيز الحكيم فبعزته يقوم على كل شيء وبحكمته يعدل فيه.

وبالجملة لما كان تعالى هو المبدىء الذي يبتدي منه وجود كل شيء وأوصافه وآثاره لا مبدأ سواه إلا وهو ينتهي إليه ، فهو القائم على كل شيء من كل جهة بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور وخلل ، وليس ذلك لغيره قط إلا بإذنه بوجه ، فليس له تعالى إلا القيام من غير ضعف وفتور ، وليس لغيره إلا أن يقوم به ، فهناك حصران: حصر القيام عليه ، وحصره على القيام ، وأول الحصرين هو الذي يدل عليه كون القيوم في الآية خبرا بعد خبر لله الله القيوم ، والحصر الثاني هو الذي تدل عليه الجملة التالية أعني قوله: لا تأخذه سنة ولا نوم.

وقد ظهر من هذا البيان أن اسم القيوم أم الأسماء الإضافية الثابتة له تعالى جميعا وهي الأسماء التي تدل على معان خارجة عن الذات بوجه كالخالق والرازق والمبدىء والمعيد والمحيي والمميت والغفور والرحيم والودود وغيرها.

قوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم ، السنة بكسر السين الفتور الذي يأخذ الحيوان في أول النوم ، والنوم هو الركود الذي يأخذ حواس الحيوان لعوامل طبيعية تحدث في بدنه ، والرؤيا غيره وهي ما يشاهده النائم في منامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت