و المعنى:"و اترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا"عد تدينهم بما يدعوهم إليه هوى أنفسهم لعبا وتلهيا بدينهم ، وفيه فرض دين حق لهم وهو الذي دعتهم إليه فطرتهم فكان يجب عليهم أن يأخذوا به أخذ جد ويتحرزوا به عن الخلط والتحريف ولكنهم اتخذوه لعبا ولهوا يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال ويحولونه حسب ما يأمرهم به هوى أنفسهم من صورة إلى صورة.
ثم عطف على اتخاذهم الدين لعبا ولهوا قوله:"و غرتهم الحياة الدنيا"لما بينهما من الملازمة لأن الاسترسال في التمتع من لذائذ الحياة المادية والجد في اقتنائها يوجب الإعراض عن الجد في الدين الحق والهزل واللعب به.
ثم قال: وذكر به أي بالقرآن حذرا من أن تبسل أي تمنع نفس بسبب ما كسبت من السيئات أو تسلم نفس مع ما كسبت للمؤاخذة والعقاب ، وتلك نفس ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل وتفد كل فدية لا يؤخذ منها لأن اليوم يوم الجزاء بالأعمال لا يوم البيع والشرى أولئك الذين أبسلوا ومنعوا من ثواب الله أو أسلموا لعقابه لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون.
قوله تعالى:"قل أ ندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا"احتجاج على المشركين بنحو الاستفهام الإنكاري ، وإنما ذكر من أوصاف شركائهم كونها لا تنفع ولا تضر لأن اتخاذ الآلهة - كما تقدم - كان مبنيا على أحد الأساسين: الرجاء والخوف وإذ كانت الشركاء لا تنفع ولا تضر فلا موجب لدعائها وعبادتها والتقرب منها.
قوله تعالى:"و نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله - إلى قوله - ائتنا"الاستهواء طلب الهوى والسقوط ، والرد على الأعقاب كناية عن الضلال وترك الهدى فإن لازم الهداية الحقة الوقوع في مستقيم الصراط والشروع في السير فيه فالارتداد على الأعقاب ترك السير في الصراط والعود إلى ما خلف من المسير وهو الضلال ، ولذا قال: ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فقيد الرد بكونه بعد الهداية الإلهية.
ومن عجيب الاستدلال احتجاج بعض بهذه الآية أعني قوله:"و نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله"الآية وما يجري مجراها من الآيات كقول شعيب (عليه السلام) على ما حكاه الله تعالى في قصته بقوله:"قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أ ولو كنا كارهين ، قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملكتم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا": الأعراف: 89.
فقد احتجوا بها على أن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا قبل البعثة والتلبس بلباس النبوة على الكفر لما في لفظ الرد على الأعقاب بعد إذ هدى الله ، والعودة في ملة الشرك بعد إذ نجاهم الله منها من الدلالة على كونهم منتحلين بها واقعين فيها قبل النجاة وهو احتجاج فاسد فإن ذلك تكلم منهم بلسان المجتمع الديني الذي كانت أفراده على الشرك حتى هداهم الله بواسطة أنبيائه ولسنا نعني أن غلبة الأفراد الذين كانوا على الشرك في أول عهدهم سوغ أن ينسب كفرهم السابق إلى الجميع حتى يكون تغليبا لشركهم على إيمان نبيهم فإن كلامه الحق لا يحتمل ذلك بل نعني أن مجتمع الدين الشامل للنبي وأمته يصدق عليه أن أفراده إنما نجوا من الشرك بعد هداية الله سبحانه إياهم وليس لهم من دونه إلا الضلال أما الأمة فإنهم كانوا على الشرك في زمان قبل زمان اهتدائهم بالدين ، وأما أنبياؤهم فإنما اهتداؤهم بالله سبحانه ، وليس لهم من أنفسهم لو لا الهداية الإلهية إلا الضلال فإن غيره تعالى لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فمن الصادق في حقهم أن ليس لهم أن يرتدوا على أعقابهم بعد إذ هداهم الله أو يعودوا إلى الشرك بعد إذ نجاهم الله منه.
وبالجملة الكلمة صادقة عليهم بنحو الحقيقة وإن لم يكن بعض مجتمعهم وهو النبي الذي فيهم كافرا قبل نبوته فإن الإيمان والاهتداء على أي حال لهم من الله سبحانه بعد الحال الذي لهم من أنفسهم وحالهم من أنفسهم هو الضلال كما عرفت.
على أنك قد عرفت فيما تقدم من البحث المتنوع في عصمة الأنبياء أن القرآن الشريف ناص على طهارة ساحتهم عن أصغر المعاصي الصغيرة فكيف بالكبيرة وبأكبر الكبائر الذي هو الشرك بالله العظيم.