فهرس الكتاب

الصفحة 1407 من 4314

و يؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول:"و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"إلى آخر الآية.

وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء:"و قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا": النساء: 140 فإن المراد في الآية وهي مدنية بالحكم الذي نزل في الكتاب هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ولا آية غيرها ، وهي تذكر أن الحكم النازل سابقا وجه به إلى المؤمنين ، ولازمه أن يكون الخطاب الذي في قوله:"و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا"إلخ موجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقصود به غيره على حد قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.

قوله تعالى:"و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء"إلى آخر الآية.

يريد أن الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإثم لا يحمل إلا على أنفسهم ولا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكرهم ذكرى لعلهم يتقون فإن الإنسان إذا حضر مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف ومعاينة المعصية تهون أمر المعصية عند النفس وتصغر الخطيئة في عين المشاهد المعاين ، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الإنسان فيها فإن للنفس في كل معصية هوى ومن الواجب على المتقي بما عنده من التقوى والورع عن محارم الله أن يجتنب مخالطة أهل الهتك والاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله وآياته فتقربه ذلك من المعصية فيشرف على الهلكة ، ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

ومن هذا البيان يظهر أولا: أن نفي الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله إنما هو للإيماء إلى أن من شاركهم في مجلسهم وقعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في جزاء عملهم والمؤاخذة بما يؤاخذون به ، فالكلام في تقدير قولنا: وما على غير الخائضين من حسابهم من شيء إذا كانوا يتقون الخوض معهم ولكن إنما ننهاهم عن القعود معهم ليستمروا على تقواهم من الخوض أو ليتم لهم التقوى والورع عن محارم الله سبحانه.

وثانيا: أن المراد بالتقوى في قوله:"و ما على الذين يتقون"التقوى العام وهو الاجتناب والتوقي عن مطلق ما لا يرتضيه الله تعالى ، وفي قوله:"لعلهم يتقون"التقوى من خصوص معصية الخوض في آيات الله ، أو المراد بالتقوى الأول أصل التقوى وبالثاني تمامه ، أو الأول إجمال التقوى والثاني تفصيله بفعلية الانطباق على كل مورد ومنها مورد الخوض في آيات الله ، وهاهنا معنى آخر وهو أن يكون المراد بالأول تقوى المؤمنين وبالتقوى الثاني تقوى الخائضين وتقدير الكلام ولكن ذكروا الخائضين ذكرى لعلهم يتقون الخوض.

وثالثا: أن قوله: ذكرى مفعول مطلق لفعل مقدر والتقدير ولكن نذكرهم بذلك ذكرى أو ذكروهم ذكرى أو خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: ولكن هذا الأمر ذكرى أو مبتدأ لخبر محذوف والتقدير: ولكن عليك ذكراهم وأوسط الوجوه أسبقها إلى الذهن.

قوله تعالى:"و ذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا"إلى آخر الآية ، قال الراغب: البسل ضم الشيء ومنعه ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه ، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن بسل ، وقوله تعالى: وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ، أي تحرم الثواب ، والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعا منه بالحكم والقهر ، والبسل هو المنوع منه بالقهر قال عز وجل:"أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا"أي حرموا الثواب ، انتهى.

وقال في المجمع ، يقال: أبسلته بجريرته أي أسلمته ، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص - إلى أن قال - قال الأخفش: تبسل أي تجازى ، وقيل: تبسل أي ترهن والمعاني متقاربة ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت