و من هنا يظهر أيضا: أن قوله:"لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون"من مقول القول وتتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقومه كما يؤيده الخطاب في قوله:"و سوف تعلمون"فإن القوم إنما هم في موقف الخطاب بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بالنسبة إليه تعالى.
وقوله:"لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون"تصريح بالتهديد وإنباء عن الوقوع الحتمي وقد ظهر مما تقدم وجه صحة خطاب المشركين بما سيبتلى به الأمة الإسلامية من تفرق الكلمة ونزول الشدة فإن الأعراق تنتهي إليهم وليس الناس إلا أمة واحدة يؤخذ آخرهم بما اكتسبه أولهم ويعود إلى أولهم ما يظهر في آخرهم علموا ذلك أو جهلوا ، أبصروا من أنفسهم ذلك أو عموا قال تعالى:"بل هم في شك يلعبون ، فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون": الدخان: 15.
تدبر في الآيات كيف أخذ آخرهم بما أجرمه أولهم أو هي في عداد ما تقدم نقله من آيات سورة يونس والأنبياء والروم ، وفي القرآن الشريف شيء كثير من الآيات المنبئة عما سيوافي الأمة من وخيم العاقبة ووبال السيئة ثم إدراك العناية الإلهية ومن أسوإ التقصير إهمال الباحثين منا أمر البحث في هذه الآيات الكريمة على كثرتها وأهميتها وشدة مساسها بحال الأمة وسعادة جدها في دنياها وآخرتها.
قوله تعالى:"و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"ذكر الراغب في المفردات ، أن الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه ، ويستعار في الأمور ، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه ، انتهى.
وهو الدخول في باطل الحديث والتوغل فيه كذكر الآيات الحقة والاستهزاء بها والإطالة في ذلك.
والمراد بالإعراض عدم مشاركتهم فيما يخوضون فيه كالقيام عنهم والخروج من بينهم أو ما يشابه ذلك مما يتحقق به عدم المشاركة ، وتقييد النهي بقوله:"حتى يخوضوا في حديث غيره"للدلالة على أن المنهي عنه ليس مطلق مجالستهم والقعود معهم ، ولو كان لغرض حق ، وإنما المنهي عنه مجالستهم ما داموا مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه.
ومن هنا يظهر أن في الكلام نوعا من إيجاز الحذف فإن تقدير الكلام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها فأعرض عنهم"إلخ"، فحذفت الجملة المماثلة للصلة استغناء بها عنها ، والمعنى - والله أعلم - وإذا رأيت أهل الخوض والاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم واستهزائهم بالآيات الإلهية فأعرض عنهم ولا تدخل في حلقهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإذا دخلوا في حديث غيره فلا مانع يمنعك من مجالستهم ، والكلام وإن وقع في سياق الاحتجاج على المشركين لكن ما أشير إليه من الملاك يعممه فيشمل غيرهم كما يشملهم ، وقد وقع في آخر الآية قوله:"فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين"فالخوض في آيات الله ظلم والآية إنما نهت عن مشاركة الظالمين في ظلمهم ، وقد ورد في مورد آخر من كلامه تعالى:"إنكم إذا مثلهم": النساء: 140.
فقد تبين: أن الآية لا تأمر بالإعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى بل إنما تأمر بالإعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به.
والضمير في قوله:"غيره"راجع إلى الحديث الذي يخاض فيه في آيات الله باعتبار أنه خوض وقد نهي عن الخوض في الآية.
قوله تعالى:"و إما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين"و"ما"في قوله:"إما ينسينك"زائد يفيد نوعا من التأكيد أو التقليل والنون للتأكيد ، والأصل وإن ينسك ، والكلام في مقام التأكيد والتشديد للنهي أي حتى لو غفلت عن نهينا بما أنساكه الشيطان ثم ذكرت فلا تهاون في القيام عنهم ولا تلبث دون أن تقوم عنهم فإن الذين يتقون ليس لهم أي مشاركة للخائضين اللاعبين بآيات الله المستهزئين بها.
والخطاب في الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقصود غيره من الأمة فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ما ينفي وقوع هذا النوع من النسيان - وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره والتمسك به نفسه - عنهم (عليهم السلام) .