فبالجملة معنى الآية: قل يا رسول الله مخاطبا لهم منذرا لهم عاقبة استنكافهم عن الاجتماع تحت لواء التوحيد واستماع دعوة الحق إن لشأنكم هذا عاقبة سيئة في قدرة الله سبحانه أن يأخذكم بها وهو أن يبعث عليكم عذابا لا مفر لكم منه ولا ملاذ تلوذون به وهو العذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، أو أن يضرب بعضكم ببعض فتكونوا شيعا وفرقا مختلفين متنازعين ومتحاربين فيذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تمم البيان بقوله خطابا لنبيه: انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و كذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل"قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم قريش أو مضر أو عامة العرب والمستفاد من فحوى بعض كلامه تعالى في موارد أخر أن المراد بقومه (صلى الله عليه وآله وسلم) هم العرب كقوله:"و لو نزلناه على بعض الأعجمين ، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ، كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون": الشعراء: 202 وقوله:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم": إبراهيم: 4.
وكيف كان فقوله:"و كذب به قومك وهو الحق"بمنزلة التمهيد لتحقيق النبإ الذي يتضمنه الإنذار السابق كأنه قيل: يا أيتها الأمة اجتمعوا في توحيد ربكم واتفقوا في اتباع كلمة الحق وإلا فلا مؤمن يؤمنكم عذابا يأتيكم من فوق أو من تحت أو من اختلاف وتحزب يستتبع سيفا وسوطا من بعضكم على بعض ، ثم خوطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: إن قومك كذبوا بذلك فليستعدوا لعذاب بئيس أو بأس شديد يذوقونه.
ومن هنا يظهر أولا: أن الضمير في قوله:"و كذب به"راجع إلى العذاب كما نسبه الآلوسي إلى غالب المفسرين ، وربما قيل: إنه عائد إلى تصريف الآيات أو إلى القرآن وهو بعيد ، وليس من البعيد أن يرجع إلى النبإ باعتبار ما تشتمل عليه الآية السابقة.
وثانيا: أن هذا الخبر أعني قوله:"و كذب به قومك وهو الحق"بحسب ما يعطيه المقام في معنى ذكر أول خبر يمهد الطريق لنبإ موعود كأنه قيل: يجب على أمتك أن يجتمعوا على الإيمان بالله وآياته ويكونوا على تحرز وتحذر من أن يتسرب إليهم الكفر بالله وآياته ويدب فيهم اختلاف حتى لا ينزل عليهم عذاب الله سبحانه ثم قيل: إن قومك من بين جميع أمتك ومن عاصرك أو جاء من بعدك من أهل الدنيا بادروا إلى نقض ما كان يجب عليهم أن يبرموه وكذبوا النبأ فانثلم بذلك الأمر فسوف يعلمون ذلك أن المكذبين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو للقرآن أو لهذا العذاب ليسوا هم الأعراب خاصة وهم قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) بل كذبته اليهود وأمم من غيرهم في زمانه وبعده وكان تكذيبهم واختلافهم جميعا ذا أثر مثبت في ما هددوا به من العذاب فتخصيص تكذيب قومه بالذكر والحال هذه يفيد ما ذكرناه.
والبحث التحليلي عن نفسية المجتمع الإسلامي يؤيد هذا الذي استفدناه من الآية فإن ما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم من الانحطاط في نفسيتهم والوهن في قوتهم والتشتت في كلمتهم ينتهي بحسب التحليل إلى ما نشأت من الاختلافات والمشاجرات في الصدر الأول بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يصعد ذلك إلى حوادث أول الهجرة وقبل الهجرة مما لقيه النبي من قومه ، وما جبهوه به من التكذيب وتسفيه الرأي.
وهؤلاء وإن تجمعوا حول راية الدعوة الإسلامية واستظلوا بظلها بعد ما ظهرت كلمة الحق وأنارت مشعلته لكن المجتمع الطيب الديني لم يصف من خبث النفاق ، وقد نطقت آيات جمة من القرآن الكريم بذلك ، وكان أهل النفاق لا يستهان بعددهم ومن المحال أن يسلم بنية المجتمع من سيء أثرهم في نفسية أجزائه ولم يقدر على هضمهم هضما تاما يحيلهم إلى أعضاء صالحة في المجتمع مدى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يمكث وقودهم دون أن اشتعل ثم زاد اشتعالا ولم يزل ، والجميع يرجع إلى ما بدأ منه ، وكل الصيد في جوف الفراء.
وثالثا: أن قوله تعالى:"قل لست عليكم بوكيل"مسوق سوق الكناية أي أعرض عنهم وقل: إن أمركم غير مفوض إلي ولا محمول علي حتى أمنعكم من هذا التكذيب نصيحة لكم ، وإنما الذي إلي بحسب مقامي أن أنذركم عذابا شديدا هو كمين لكم.