و بالجملة في لفظه شيء من معنى الإقامة والإنهاض ، وبهذه العناية يستعمل في التوجيه والإرسال لأن التوجيه إلى حاجة والإرسال نحو قوم يكون بعد سكون وخمود غالبا ، وعلى هذا فبعث العذاب لا يخلو من إشعار على أنه عذاب من شأنه أن يتوجه إليهم ويقع بهم ، وإنما يمنع عن هذا الاقتضاء مانع كالإيمان والطاعة ، وللكلام تتمة سنوافيك.
وقال في المجمع ،: لبست عليهم الأمر ألبسه إذا لم أبينه وخلطت بعضه ببعض ولبست الثوب ألبسه ، واللبس اختلاط الأمر واختلاط الكلام ، ولابست الأمر خالطته ، والشيع الفرق ، وكل فرقة شيعة على حدة ، وشيعة فلان تبعته ، والتشيع الاتباع على وجه التدين والولاء ، انتهى.
وعلى هذا فالمراد بقوله:"أو يلبسكم شيعا"أن يضرب البعض بالبعض ويخلط حال كونهم شيعا وفرقا مختلفة.
فقوله:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم"ظاهره إثبات القدرة لله سبحانه على بعث العذاب عليهم من فوق أو من تحت ، والقدرة على الشيء لا تستلزم فعله ، وهو أعني إثبات القدرة على الفعل الذي هو العذاب كاف في الإخافة والإنذار لكن المقام يعطي أن المراد ليس هو إثبات مجرد القدرة بل لهم استحقاق لمثل هذا العذاب ، وفي العذاب اقتضاء أن ينبعث عليهم إن لم يجتمعوا على الإيمان بالله وآياته كما مر من استفادة ذلك من معنى البعث ، ويؤيده قوله بعد:"لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون"فإنه تهديد صريح.
على أنه تعالى يهدد هذه الأمة صريحا بالعذاب في موارد مشابهة لهذا المورد من كلامه كقوله تعالى:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط - إلى أن قال - ويستنبؤنك أ حق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين": الآيات يونس: 47 - 53 وقوله:"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ، وتقطعوا أمرهم بينهم"إلى آخر الآيات: الأنبياء: 93 - 97 وقوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا - إلى أن قال - ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا"إلى آخر الآيات: الروم: 30 - 45.
وقد قيل: إن المراد بالعذاب الذي من فوقهم هو الصيحة والحجارة والطوفان والريح كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط ، وبالذي من تحت أرجلهم الخسف كما فعل بقارون ، وقيل: إن المراد بما من فوقهم العذاب الآتي من قبل كبارهم أو سلاطينهم الجبابرة وبما من تحت أرجلهم ما يأتيهم من قبل سفلتهم أو عبيدهم السوء ، وقيل: المراد بما من فوق وبما من تحت الأسلحة النارية القتالة التي اخترعها البشر أخيرا من الطيارات والمناطد التي تقذف القنابل المحرقة والمخربة وغيرها ومراكب تحت البحر المغرفة للسفائن والباخرات فإن الإنذار إنما وقع في كلامه تعالى وهو أعلم بما كان سيحدث في مملكته.
والحق أن اللفظ مما يقبل الانطباق على كل من المعاني المذكورة وقد وقع بعد النزول ما ينطبق عليه اللفظ ، والمحتد الأصلي لهذه الوقائع الذي مهد لها الطريق هو اختلاف الكلمة والتفرق الذي بدأت به الأمة وجبهت به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما كان يدعوهم إليه من الاتفاق على كلمة الحق ، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم.
قوله تعالى:"أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض"ظاهره أنه أريد به التحزبات التي نشأت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأدى ذلك إلى حدوث مذاهب متنوعة ألبست لباس العصبية والحمية الجاهلية واستتبعت حروبا ومقاتل يستبيح كل فريق من غيره كل حرمة ويطرده بمزعمته من حرمة الدين وبيضة الإسلام.
وعلى هذا فقوله:"أو يلبسكم شيعا ويذيق"إلخ ، عذاب واحد لا عذابان وإن أمكن بوجه عد كل من إلقاء التفرق في الكلمة وإذاقة البعض بأس بعض عذابا مستقلا برأسه فللتفرقة بين الأمة أثر سوء آخر وهو طرو الضعف ونفاد القوة وتبعض القدرة لكن المأخوذ في الآية المعدود عذابا أعني قوله:"و يذيق بعضكم"إلخ ، حينئذ بالنسبة إلى مجرد إلقاء الاختلاف بمنزلة المقيد بالنسبة إلى المطلق ، ولا يحسن مقابلة المطلق بالمقيد إلا بعناية زائدة في الكلام ، على أن العطف بواو الجمع يؤيد ما ذكرناه.