و في قوله:"لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين"إشارة إلى أن الإنسان يضيف في هذه الحالة التي يدعو لكشفها إلى دعائه عهدا يقدمه إلى ربه ووعدا يعده به أن لو كشف الله عنه ليكونن من الشاكرين ويرجع عن سابق كفره.
وأصل هذه العدة مأخوذ من العادة الجارية بين أفراد الإنسان بعضهم مع بعض فإن الواحد منا إذا أعيته المذاهب وأحاطت به البلية من مصيبة قاصمة أو فقر أو عدو واستغاث لكشف ما به من كرب إلى أحد الأقوياء القادرين على كشفه بزعمه وعده بما يطيب به نفسه ويقوي باعث عزيمته وفتوته ، وذلك بثناء جميل أو مال أو طاعة أو وفاء كل ذلك لما أن الأعمال الاجتماعية التي تدور بيننا كلها معاملات قائمة بطرفين يعطي فيها الإنسان شيئا ويأخذ شيئا لأن الحاجة محيطة بالإنسان ليس له أن يعمل عملا أو يؤثر أثرا إلا لنفع عائد إلى نفسه ، ومثله سائر أجزاء الكون.
لكن الله سبحانه أكرم ساحة أن تمسه حاجة أو يطرأ عليه منقصة لا يفعل فعلا إلا ليعود نفعه إلى غيره من خليقته فوجه التوحيد في مقابلة الإنسان له بوعد الشكر والطاعة في دعائه الفطري هو أن الإنسان إذا نزلت به النازلة ، وانقطعت عنه الأسباب وغابت عن مسرح نظره وسائل الخلاص وجد أن الله سبحانه هو السبب الوحيد الذي يقدر على كشف ما به من غم ، وأنه الذي يدبر أمره منذ خلقه ويدبر أمر كل سبب فوجد نفسه ظالما مفرطا في جنب الله سبحانه لا يستحق كشف الغم ورفع الحاجة من قبله تعالى لما كسبت يداه من السيئات ، وحملت نفسه من وبال الخطيئة فعندئذ يعد ربه الشكر والطاعة ليصحح ذلك استحقاقه لاستجابة دعائه وكشف ضره.
ولذلك نجده أنه إذا نجي مما نزل به النائبة ذهب لوجهه ناسيا لما عهد به ربه ووعده من الشكر كما قال تعالى في ذيل الآية التالية:"ثم أنتم تشركون".
قوله تعالى:"قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون"قال الراغب في مفرداته: ، الكرب الغم الشديد ، قال تعالى:"و نجيناه وأهله من الكرب العظيم"والكربة كالغمة ، وأصل ذلك من كرب الأرض بسكون الراء وهو قلبها بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك وقيل في مثل: الكراب على البقر وليس ذلك من قولهم: الكلاب على البقر ، في شيء ، ويجوز أن يكون الكرب من كربت الشمس إذا دنت للمغيب ، وقولهم: إناء كربان أي قريب نحو قربان أي قريب من الملء ، أو من الكرب بفتحتين وهو عقد غليظ في رشا الدلو ، وقد يوصف الغم بأنه عقد على القلب يقال: أكربت الدلو ، انتهى.
وقد أضيف في هذه الآية كل كرب إلى ظلمات البر والبحر ليعم الجميع فإن إنسانا ما لا يخلو في مدى حياته من شيء من الكروب والغموم فالمسألة والدعاء عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسروا.
فملخص المراد بالآية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر والبحر وغيرها إذا انقطعتم عن الأسباب الظاهرة وأعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع إلى فطرتكم الإنسانية أن الله سبحانه هو ربكم لا رب سواه وتجزمون أن عبادتكم لغيره ظلم وإثم والشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعا وخفية ، وتعدونه أن تشكروه بعد ذلك ولا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الإنجاء تنقضون ميثاقكم الذي واثقتموه به وتستمرون على سابق كفركم ، ففي الآيتين احتجاج على المشركين وتوبيخ لهم على حنث اليمين وخلف الوعد.
قوله تعالى:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم"إلى آخر الآية ، قال الراغب في المفردات ،: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال: بعثته فانبعث ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته وسيرته ، وقوله عز وجل: والموتى يبعثهم الله أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة - إلى أن قال - فالبعث ضربان: بشري كبعث البعير وبعث الإنسان في حاجة ، وإلهي وذلك ضربان: أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس وذلك يختص به الباري تعالى ولم يقدر عليه أحد ، والثاني إحياء الموتى وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى (عليه السلام) وأمثاله ، انتهى.