فهرس الكتاب

الصفحة 3697 من 4314

و لما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة إليه تعالى على اختلافها صح إسناد مطلق الوحي إليه بأي قسم من الأقسام تحقق وبهذه العناية أسند جميع الوحي إليه في كلامه كما قال:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء: 163.

وقال:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم": النحل: 43.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة ، وللمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل ومشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها من أرادها فليراجع المفصلات.

وقوله:"إنه علي حكيم"تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق والنظام الحاكم فيهم يجل أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضا ، ولعلوه وحكمته يكلمهم بما اختار من الوحي وذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى كما قال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقال:"و على الله قصد السبيل": النحل: 9 ، وسعادة الإنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور والعلم في إعلام سعادته والدلالة إلى سنة الحياة التي تنتهي إليها ولا يكفي في ذلك العقل الذي من شأنه الإخطاء والإصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي لا يخطىء البتة ، وقد فصلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا الكتاب.

قوله تعالى:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان"إلخ ، ظاهر السياق كون"كذلك"إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من الوحي بأقسامه الثلاث ، ويؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان يوحى إليه بتوسط جبريل وهو القسم الثالث كان يوحى إليه في المنام وهو من القسم الثاني ويوحى إليه من دون توسط واسطة وهو القسم الأول.

وقيل: الإشارة إلى مطلق الوحي النازل على الأنبياء وهذا متعين على تقدير كون المراد بالروح هو جبريل أو الروح الأمري كما سيأتي.

والمراد بإيحاء الروح - على ما قيل - إيحاء القرآن وأيد بقوله:"و لكن جعلناه نورا"إلخ ، ومن هنا قيل: إن المراد بالروح القرآن.

لكن يبقى عليه أولا: أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من المعارف والشرائع التي تتلبس بها وتدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك وأبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزل إليك بوحينا ، وعلى هذا فلو كان المراد بالروح الموحي القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله:"ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان"لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإيمان زائدا مستغنى عنه.

وثانيا: أن القرآن وإن أمكن أن يسمى روحا باعتبار إحيائه القلوب بهداه كما قال تعالى:"إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24 ، وقال:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 ، لكن لا وجه لتقيده حينئذ بقوله:"من أمرنا"والظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمره خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم ، قال تعالى:"تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر": القدر: 4 ، وقال:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38 ، وقال:"قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 ، وقال:"و أيدناه بروح القدس": البقرة: 87 ، وقد سمي جبريل الروح الأمين وروح القدس حيث قال:"نزل به الروح الأمين": الشعراء: 193 ، وقال:"قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 102.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام وإن كان هو الاقتصار على ذكر الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتفاصيل ما في الكتاب من المعارف والشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه وآثاره الحسنة صح أن يذكر مع الكتاب فالمعنى: وكذلك أوحينا إليك كتابا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل وهو إيمانك به.

وعن الثاني أن المعهود من كلامه في معنى الروح وإن كان ذلك لكن حمل الروح في الآية على ذلك المعنى وإرادة الروح الأمري أو جبريل منه يوجب أخذ"أوحينا"بمعنى أرسلنا إذ لا يقال: أوحينا الروح الأمري أو الملك فلا مفر من كون الإيحاء بمعنى الإرسال وهو كما ترى فأخذ الروح بمعنى القرآن أهون من أخذ الإيحاء بمعنى الإرسال والجوابان لا يخلوان عن شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت