و قيل: المراد بالروح جبريل فإن الله سماه في كتابه روحا قال:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وقال:"قل نزله روح القدس من ربك".
وقيل: المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على الأنبياء كما قال تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا": النحل: 2 ، فالمراد بإيحائه إليه إنزاله عليه.
ويمكن أن يوجه التعبير عن الإنزال بالإيحاء بأن أمره تعالى على ما يعرفه في قوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن": يس: 82 ، هو كلمته ، والروح من أمره كما قال:"قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 ، فهو كلمته ، وهو يصدق ذلك قوله في عيسى بن مريم (عليهما السلام) :"إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171 ، وإنزال الكلمة تكليم فلا ضير في التعبير عن إنزال الروح بإيحائه ، والأنبياء مؤيدون بالروح في أعمالهم كما أنهم يوحى إليهم الشرائع به قال تعالى:"و أيدناه بروح القدس"وقد تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله تعالى:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة": الأنبياء: 73.
ويمكن رفع إشكال كون الإيحاء بمعنى الإنزال والإرسال بالقول بكون قوله:"روحا"منصوبا بنزع الخافض ورجوع ضمير"جعلناه"إلى القرآن المعلوم من السياق أو الكتاب والمعنى وكذلك أوحينا إليك القرآن بروح منا ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان ولكن جعلنا القرآن أو الكتاب نورا إلخ ، هذا وما أذكر أحدا من المفسرين قال به.
وقوله:"ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان"قد تقدم أن الآية مسوقة لبيان أن ما عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يدعو إليه إنما هو من عند الله سبحانه لا من قبل نفسه وإنما أوتي ما أوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية والشرائع العملية فإن ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة والوحي ، وبعدم درايته بالإيمان عدم تلبسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة وقد سمي العمل إيمانا في قوله:"و ما كان الله ليضيع إيمانكم: البقرة: 143."
فالمعنى: ما كان عندك قبل وحي الروح الكتاب بما فيه من المعارف والشرائع ولا كنت متلبسا بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام الاعتقادي والعملي بمضامينه وهذا لا ينافي كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمنا بالله موحدا قبل البعثة صالحا في عمله فإن الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب والالتزام بها اعتقادا وعملا ونفي العلم والالتزام التفصيليين لا يلازم نفي العلم والالتزام الإجماليين بالإيمان بالله والخضوع للحق.
وبذلك يندفع ما استدل بعضهم بالآية على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان غير متلبس بالإيمان قبل بعثته.
ويندفع أيضا ما عن بعضهم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل كاملا في نفسه علما وعملا وهو ينافي ظاهر الآية أنه ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان.
ووجه الاندفاع أن من الضروري وجود فرق في حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل النبوة وبعدها والآية تشير إلى هذا الفرق ، وأن ما حصل له بعد النبوة لا صنع له فيه وإنما هو من الله من طريق الوحي.
وقوله:"و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا"ضمير"جعلناه"للروح والمراد بقوله:"من نشاء"على تقدير أن يراد بالروح القرآن هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن آمن به فإنهم جميعا مهتدون بالقرآن.
وعلى تقدير أن يراد به الروح الأمري فالمراد بمن نشاء جميع الأنبياء ومن آمن بهم من أممهم فإنه يهدي بالوحي الذي نزل به ، الأنبياء والمؤمنين من أممهم ويسدد الأنبياء خاصة ويهديهم إلى الأعمال الصالحة ويشير عليهم بها.
وعلى هذا تكون الآية في مقام تصديق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تصدقه في دعواه أن كتابه من عند الله بوحي منه ، وتصدقه في دعواه أنه مؤمن بما يدعو إليه فيكون في معنى قوله تعالى:"إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم": يس: 5.