فهرس الكتاب

الصفحة 670 من 4314

و أما اتخاذ النبيين أربابا فكقول اليهود: عزير بن الله على ما حكاه القرآن ولم يجوز لهم موسى (عليه السلام) ذلك ، ولا وقع في التوراة إلا توحيد الرب ولو جوز لهم ذلك لكان آمرا به حاشاه من ذلك.

وقد اختلفت الآيتان: أعني قوله: ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله وقوله: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا من جهتين في سياقهما: الأولى: أن المأمور في الأولى ثم يقول للناس الناس ، وفي الثانية هم المخاطبون بالآية ، والثانية: أن المأمور به في الأولى العبودية له وفي الثانية الاتخاذ أربابا.

أما الأولى فحيث كان الكلام مسوقا للتعريض بالنصارى في عبادتهم لعيسى ، وقولهم بألوهيته صريحا مسندين ذلك إلى دعوته كان ذلك نسبة منهم إليه أنه قال: كونوا عبادا لي بخلاف اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا بالمعنى الذي قيل في غير عيسى فإنه يضاد الألوهية بلازمه لا بصريحه فلذلك قيل: أربابا ، ولم يقل: آلهة.

وأما الثانية فالوجه فيه أن التعبيرين كليهما كونوا عبادا لي - لا يأمركم أن تتخذوا أمر لو تعلق بأحد تعلق بهؤلاء الذين يخاطبون بهذه الآيات من أهل الكتاب والعرب لكن التعبير لما وقع في الآية الأولى بالقول ، والقول يقضي بالمشافهة ولم يكن الحاضرون في زمن نزول الآية حاضرين إذ ذاك لا جرم قيل: ثم يقول للناس ، ولم يقل: ثم يقول لكم ، وهذا بخلاف لفظ الأمر المستعمل في الآية الثانية فإنه لا يستلزم شفاها بل يتم مع الغيبة فإن الأمر المتعلق بالأسلاف متعلق بالأخلاف مع حفظ الوحدة القومية ، وأما القول فهو لإفادته بحسب الانصراف إسماع الصوت يقضي بالمشافهة والحضور إلا أن يعني به مجرد معنى التفهيم.

وعلى هذا فالأصل في سياق هذه الآيات الحضور وخطاب الجمع ، كما جرى عليه قوله تعالى ولا يأمركم إلى آخر الآية.

قوله تعالى: أ يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ، ظاهر الخطاب أنه متعلق بجميع المنتحلين بالنبوة من أهل الكتاب أو المدعين للانتساب إلى الأنبياء كما كانت عرب الجاهلية تزعم أنهم حنفاء والكلام موضوع على الفرض والتقدير فالمعنى أنكم على تقدير إجابتكم هذا البشر الذي أوتي الكتاب والحكم والنبوة تكونون مسلمين لله متحلين بحلية الإسلام مصبوغين بصبغته فكيف يمكنه أن يأمركم بالكفر ويضلكم عن السبيل الذي هداكم إليه بإذن الله سبحانه.

ومن هنا يظهر أن المراد بالإسلام هو دين التوحيد الذي هو دين الله عند جميع الأنبياء على ما يدل عليه أيضا احتفاف الآيات بهذا المعنى من الإسلام أعني قوله تعالى من قبل:"إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19 ، وقوله تعالى من بعد:"أ فغير دين الله يبغون"- إلى أن قال -:"و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين": آل عمران - 85.

وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله إلى آخر الآيتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على ما روي في سبب النزول وحاصله أن أبا رافع القرظي ورجلا من نصارى نجران قالا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أ تريد أن نعبدك يا محمد؟ فأنزل الله: ما كان لبشر أن يؤتيه الله إلى آخر الآيتين الحديث ثم أيده بقوله في آخرهما بعد إذ أنتم مسلمون فإن الإسلام هو الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفيه أنه خلط بين الإسلام في عرف القرآن وهو دين التوحيد الذي بعث به جميع الأنبياء وبين الإسلام بالاصطلاح الحادث بين المسلمين بعد عصر النزول ، وقد تقدم الكلام فيه.

خاتمة فيها فصول

1 -ما هي قصة عيسى وأمه في القرآن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت