فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 4314

كانت أم المسيح مريم بنت عمران حملت بها أمها فنذرت أن تجعل ما في بطنها إذا وضعته محررا يخدم المسجد وهي تزعم أن ما في بطنها ذكور فلما وضعتها وبان لها أنها أنثى حزنت وتحسرت ثم سمتها مريم أي الخادمة وقد كان توفي أبوها عمران قبل ولادتها فأتت بها المسجد تسلمها للكهنة وفيهم زكريا فتشاجروا في كفالتها ثم اصطلحوا على القرعة وساهموا فخرج لزكريا فكفلها حتى إذا أدركت ضرب لها من دونهم حجابا فكانت تعبد الله سبحانه فيها لا يدخل عليها إلا زكريا وكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله ، والله يرزق من يشاء بغير حساب ، وقد كانت (عليها السلام) صديقة ، وكانت معصومة بعصمة الله ، طاهرة مصطفاة محدثة حدثها الملائكة: بأن الله اصطفاها وطهرها وكانت من القانتين ومن آيات الله للعالمين سورة آل عمران آية 35 - 44 ، سورة مريم آية 16 ، سورة الأنبياء آية 91 ، سورة التحريم آية 12.

ثم إن الله تعالى أرسل إليها الروح وهي محتجبة فتمثل لها بشرا سويا ، وذكر لها أنه رسول من ربها ليهب لها بإذن الله ولدا من غير أب ، وبشرها بما سيظهر من ولدها من المعجزات الباهرة ، وأخبرها أن الله سيؤيده بروح القدس ، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، ورسولا إلى بني إسرائيل ذا الآيات البينات ، وأنبأها بشأنه وقصته ثم نفخ الروح فيها فحملت بها حمل المرأة بولدها الآيات من آل عمران: 35 - 44.

ثم انتبذت مريم به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فأتت به قومها تحمله سورة مريم آية 20 - 27 ، وكان حمله ووضعه وكلامه وسائر شئون وجوده من سنخ ما عند سائر الأفراد من الإنسان.

فلما رآها قومها - والحال هذه - ثاروا عليها بالطعنة واللوم بما يشهد به حال امرأة حملت ووضعت من غير بعل ، وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟ قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا: سورة مريم آية - 27 - 33 فكان هذا الكلام منه (عليه السلام) كبراعة الاستهلال بالنسبة إلى ما سينهض على البغي والظلم وإحياء شريعة موسى (عليه السلام) وتقويمه ، وتجديد ما اندرس من معارفه ، وبيان ما اختلفوا فيه من آياته.

ثم نشأ عيسى (عليه السلام) وشب وكان هو وأمه على العادة الجارية في الحياة البشرية يأكلان ويشربان وفيهما ما في سائر الناس من عوارض الوجود إلى آخر ما عاشا.

ثم إن عيسى (عليه السلام) أوتي الرسالة إلى بني إسرائيل فانبعث يدعوهم إلى دين التوحيد ، ويقول: إني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ، إن في ذلك لآية لكم ، إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه.

وكان يدعوهم إلى شريعته الجديدة وهو تصديق شريعة موسى (عليه السلام) إلا أنه نسخ بعض ما حرم في التوراة تشديدا على اليهود ، وكان يقول: قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ، وكان يقول: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.

وأنجز (عليه السلام) ما ذكره لهم من المعجزات كخلق الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن المغيبات بإذن الله.

ولم يزل يدعوهم إلى توحيد الله وشريعته الجديدة حتى أيس من إيمانهم لما شاهد من عتو القوم وعنادهم واستكبار الكهنة والأحبار عن ذلك فانتخب من الشرذمة التي آمنت به الحواريين أنصارا له إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت