ثم إن اليهود ثاروا عليه يريدون قتله فتوفاه الله ورفعه إليه ، وشبه لليهود: فمن زاعم أنهم قتلوه ، ومن زاعم أنهم صلبوه ، ولكن شبه لهم آل عمران آية 45 - 58 ، الزخرف آية 63 - 65 ، الصف آية 6 و14 ، المائدة آية 110 و111 ، النساء آية 157 و158 فهذه جمل ما قصه القرآن في عيسى بن مريم وأمه.
2 -منزلة عيسى عند الله وموقفه في نفسه:
كان (عليه السلام) عبدا لله وكان نبيا سورة مريم آية 30 وكان رسولا إلى بني إسرائيل آل عمران آية 49 وكان واحدا من الخمسة أولي العزم صاحب شرع وكتاب وهو الإنجيل الأحزاب آية 7 ، الشورى آية 13 ، المائدة آية 46 وكان سماه الله بالمسيح عيسى آل عمران آية 45 وكان كلمة لله وروحا منه النساء آية 171 وكان إماما الأحزاب آية 7 وكان من شهداء الأعمال النساء آية 159 ، المائدة آية 117 وكان مبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصف آية 6 وكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين آل عمران آية 45 وكان من المصطفين آل عمران آية 33 وكان من المجتبين ، وكان من الصالحين الأنعام آية 85 - 87 وكان مباركا أينما كان وكان زكيا وكان آية للناس ورحمة من الله وبرا بوالدته وكان مسلما عليه مريم آية 19 33 وكان ممن علمه الله الكتاب والحكمة آل عمران آية 48 ، فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية هي جمل ما وصف الله به هذا النبي المكرم ورفع بها قدره ، وهي على قسمين: اكتسابية كالعبودية والقرب والصلاح ، واختصاصية ، وقد شرحنا كلا منها في الموضع المناسب له من هذا الكتاب بما نطيق فهمه فليرجع فيها إلى مظانها منه.
3 -ما الذي قاله عيسى (عليه السلام)
؟ وما الذي قيل فيه؟ ذكر القرآن أن عيسى كان عبدا رسولا ، وأنه لم يدع لنفسه ما نسبوه إليه ، ولا تكلم معهم إلا بالرسالة ، كما قال تعالى:"و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم": المائدة - 116 119.
وهذا الكلام العجيب الذي يشتمل من العبودية على عصارتها ، ويتضمن من بارع الأدب على مجامعة يفصح عما كان يراه عيسى المسيح (عليه السلام) من موقفه نفسه تلقاء ربوبية ربه ، وتجاه الناس وأعمالهم فذكر أنه كان يرى نفسه بالنسبة إلى ربه عبدا لا شأن له إلا الامتثال لا يرد إلا عن أمر ، ولا يصدر إلا عن أمر ، ولم يؤمر إلا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ولم يقل لهم إلا ما أمر به: أن اعبدوا الله ربي وربكم.
ولم يكن له من الناس إلا تحمل الشهادة على أعمالهم فحسب ، وأما ما يفعله الله فيهم وبهم يوم يرجعون إليه فلا شأن له في ذلك ، غفر أو عذب.
فإن قلت: فما معنى ما تقدم في الكلام على الشفاعة أن عيسى (عليه السلام) من الشفعاء يوم القيامة يشفع فيشفع؟.
قلت: القرآن صريح أو كالصريح في ذلك ، قال تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف - 86 ، وقد قال تعالى فيه:"و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء - 159 ، وقال تعالى:"و إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: المائدة - 110 ، وقد تقدم إشباع الكلام في معنى الشفاعة ، وهذا غير التفدية التي يقول بها النصارى ، وهي إبطال الجزاء بالفدية والعوض فإنها تبطل السلطنة المطلقة الإلهية على ما سيجيء من بيانه ، والآية إنما تنفي ذلك ، وأما الشفاعة فالآية غير متعرضة لأمرها لا إثباتا ولا نفيا فإنها لو كانت بصدد إثباتها - على منافاته للمقام - لكان حق الكلام أن يقال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولو كانت بصدد نفيها لم يكن لذكر الشهادة على الناس وجه ، وهذا إجمال ما سيأتي في تفسير الآيات تفصيله إن شاء الله تعالى."