فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 4314

و أما ما قاله الناس في عيسى (عليه السلام) فإنهم وإن تشتتوا في مذاهبهم بعده ، واختلفوا في مسالكهم بما ربما جاوز السبعين من حيث كليات ما اختلفوا فيه ، وجزئيات المذاهب والآراء كثيرة جدا.

لكن القرآن إنما يهتم بما قالوا به في أمر عيسى نفسه وأمه لمساسه بأساس التوحيد الذي هو الغرض الوحيد فيما يدعو إليه القرآن الكريم والدين الفطري القويم ، وأما بعض الجزئيات كمسألة التحريف ومسألة التفدية فلم يهتم به ذاك الاهتمام.

والذي حكاه القرآن الكريم عنهم أو نسبه إليهم ما في قوله تعالى:"و قالت النصارى المسيح بن الله": التوبة - 30 ، وما في معناه ، كقوله تعالى:"و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه": الأنبياء - 26 ، وما في قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم": المائدة - 72 ، وما في قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": المائدة - 73 ، وما في قوله تعالى:"و لا تقولوا ثلثة": النساء - 171.

وهذه الآيات وإن اشتملت بظاهرها على كلمات مختلفة ذوات مضامين ومعان متفاوتة ، ولذلك ربما حملت على اختلاف المذاهب في ذلك كمذهب الملكانية القائلين بالبنوة الحقيقية ، والنسطورية القائلين بأن النزول والبنوة من قبيل إشراق النور على جسم شفاف كالبلور ، واليعقوبية القائلين بأنه من الانقلاب ، وقد انقلب الإله سبحانه لحما ودما.

لكن الظاهر أن القرآن لا يهتم بخصوصيات مذاهبهم المختلفة ، وإنما يهتم بكلمة واحدة مشتركة بينهم جميعا وهو البنوة ، وأن المسيح من سنخ الإله سبحانه ، وما يتفرع عليه من حديث التثليث وإن اختلفوا في تفسيرها اختلافا كثيرا ، وتعرقوا في المشاجرة والنزاع ، والدليل على ذلك وحدة الاحتجاج الوارد عليهم في القرآن لسانا.

بيان ذلك: أن التوراة والأناجيل الحاضرة جميعا تصرح بتوحيد الإله تعالى ، من جانب والإنجيل يصرح بالبنوة من جانب آخر ، وصرح بأن الابن هو الأب لا غير.

ولم يحملوا البنوة الموجودة فيه على التشريف والتبريك مع ما في موارد منه من التصريح بذلك كقوله:"و أنا أقول لكم أحبوا أعداءكم ، وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى من أبغضكم ، وصلوا على من يطردكم ويعسفكم كيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار والممطر على الصديقين والظالمين ، وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم؟ أ ليس العشارون يفعلون كذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل لكم؟ أ ليس كذلك يفعل الوثنيون كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي فهو كامل"آخر الإصحاح الخامس من إنجيل متى وقوله أيضا: فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات"إنجيل متى - الإصحاح الخامس."

وقوله أيضا:"لا تصنعوا جميع مراحمكم قدام الناس كي يروكم فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات".

وقوله أيضا في الصلوة:"و هكذا تصلون أنتم يا أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك"الخ"."

وقوله: أيضا"فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم"كل ذلك في الإصحاح السادس من إنجيل متى.

وقوله:"و كونوا رحماء مثل أبيكم الرحيم"إنجيل لوقا - الإصحاح السادس.

وقوله لمريم المجدلية:"امضي إلى إخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم وإلهي الذي هو إلهكم"إنجيل يوحنا - الإصحاح العشرون.

فهذه وأمثالها من فقرات الأناجيل تطلق لفظ الأب على الله تعالى وتقدس بالنسبة إلى عيسى وغيره جميعا كما ترى بعناية التشريف ونحوه.

وإن كان ما في بعض الموارد منها يعطي أن هذه البنوة والأبوة نوع من الاستكمال المؤدي إلى الاتحاد كقوله:"تكلم اليسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء فقال: يا أبة قد حضرت الساعة فمجد ابنك ليمجدك ابنك ثم ذكر دعاءه لرسله من تلامذته ثم قال:"و لست أسأل في هؤلاء فقط بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحدا كما أنك يا أبة ثابت في وأنا أيضا فيك ليكونوا أيضا فينا واحدا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن واحد أنا فيهم وأنت في ويكونوا كاملين لواحد لكي يعلم العالم أنك أرسلتني وأنني أحببتهم كما أحببتني"إنجيل يوحنا - الإصحاح السابع عشر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت