فهرس الكتاب

الصفحة 3952 من 4314

و قد تعرض سبحانه في الآية لشأن الملحقين بالصديقين والشهداء وهم خيار الناس والناجون قطعا ، والكفار المكذبين لآياته وهم شرار الناس والهالكون قطعا وبقي فريق بين الفريقين وهم المؤمنون المقترفون للمعاصي والذنوب على طبقاتهم في التمرد على الله ورسوله ، وهذا دأب القرآن في كثير من موارد التعرض لشأن الناس يوم القيامة.

وذلك ليكون بعثا لقريحتي الخوف والرجاء في ذلك الفريق المتخلل بين الخيار والشرار فيميلوا إلى السعادة ويختاروا النجاة على الهلاك.

ولذلك أعقب الآية بذم الحياة الدنيا التي تعلق بها هؤلاء الممتنعون من الإنفاق في سبيل الله ثم بدعوتهم إلى المسابقة إلى المغفرة والجنة ثم بالإشارة إلى أن ما يصيبهم من المصيبة في أموالهم وأنفسهم مكتوبة في كتاب سابق وقضاء متقدم فليس ينبغي لهم أن يخافوا الفقر في الإنفاق في سبيل الله ، فيبخلوا ويمسكوا أو يخافوا الموت في الجهاد في سبيل الله فيتخلفوا ويقعدوا.

قوله تعالى:"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد"إلخ ، اللعب عمل منظوم لغرض خيالي كلعب الأطفال ، واللهو ما يشغل الإنسان عما يهمه ، والزينة بناء نوع وربما يراد به ما يتزين به وهي ضم شيء مرغوب فيه إلى شيء آخر ليرغب فيه بما اكتسب به من الجمال ، والتفاخر المباهاة بالأنساب والأحساب ، والتكاثر في الأموال والأولاد.

والحياة الدنيا عرض زائل وسراب باطل لا يخلو من هذه الخصال الخمس المذكورة: اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر وهي التي يتعلق بها هوى النفس الإنسانية ببعضها أو بجميعها وهي أمور وهمية وأعراض زائلة لا تبقى للإنسان وليست ولا واحدة منها تجلب للإنسان كمالا نفسيا ولا خيرا حقيقيا.

وعن شيخنا البهائي رحمه الله أن الخصال الخمس المذكورة في الآية مترتبة بحسب سني عمر الإنسان ومراحل حياته فيتولع أولا باللعب وهو طفل أو مراهق ثم إذا بلغ واشتد عظمه تعلق باللهو والملاهي ثم إذا بلغ أشده اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة والمراكب البهية والمنازل العالية وتوله للحسن والجمال ثم إذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب والأنساب ثم إذا شاب سعى في تكثير المال والولد.

وقوله:"كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما"مثل لزينة الحياة الدنيا التي يتعلق بها الإنسان غرورا ثم لا يلبث دون أن يسلبها.

والغيث المطر والكفار جمع كافر بمعنى الحارث ، ويهيج من الهيجان وهو الحركة ، والحطام الهشيم المتكسر من يابس النبات.

والمعنى: أن مثل الحياة الدنيا في بهجتها المعجبة ثم الزوال كمثل مطر أعجب الحراث نباته الحاصل بسببه ثم يتحرك إلى غاية ما يمكنه من النمو فتراه مصفر اللون ثم يكون هشيما متكسرا - متلاشيا تذروه الرياح -.

وقوله:"و في الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان"سبق المغفرة على الرضوان لتطهير المحل ليحل به الرضوان ، وتوصيف المغفرة بكونه من الله دون العذاب لا يخلو من إيماء إلى أن المطلوب بالقصد الأول هو المغفرة وأما العذاب فليس بمطلوب في نفسه وإنما يتسبب إليه الإنسان بخروجه عن زي العبودية كما قيل.

وقوله:"و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"أي متاع التمتع منه هو الغرور به ، وهذا للمتعلق المغرور بها.

والكلام أعني قوله:"و في الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان"إشارة إلى وجهي الحياة الآخرة ليأخذ السامع حذره فيختار المغفرة والرضوان على العذاب ، ثم في قوله:"و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"تنبيه وإيقاظ لئلا تغره الحياة الدنيا بخاصة غروره.

قوله تعالى:"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض"إلخ المسابقة هي المغالبة في السبق للوصول إلى غرض بأن يريد كل من المسابقين جعل حركته أسرع من حركة صاحبه ففي معنى المسابقة ما يزيد على معنى المسارعة فإن المسارعة الجد في تسريع الحركة والمسابقة الجد في تسريعها بحيث تزيد في السرعة على حركة صاحبه.

وعلى هذا فقوله:"سابقوا إلى مغفرة"إلخ ، يتضمن من التكليف ما هو أزيد مما يتضمنه قوله:"سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين": آل عمران: 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت