و أوجه ما أجيب به عنه قول بعضهم بإصلاح منا: إن الله تعالى لو أخذهم بظلمهم بكفر أو معصية لهلك عامة الناس بظلمهم إلا المعصومين منهم وأما المعصومون على شذوذهم وقلة عددهم فإنهم لا يوجدون لهلاك آبائهم وأمهاتهم من قبل ، وإذا هلك الناس وبطل النسل هلكت الدواب من سائر الحيوان لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى:"خلق لكم ما في الأرض جميعا": البقرة: 29.
ولهم وجوه أخر في الذب عن الآية على تقدير عموم الدابة فيها لا جدوى في نقلها من أرادها فليراجع مطولات التفاسير.
واحتج بعضهم بالآية على عدم عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ، وفيه أن الآية لا تدل على أزيد من أنه تعالى لو أخذ بالظلم لهلك جميع الناس وانقرض النوع ، وأما أن كل من يهلك فإنما هلك عن ظلمه فلا دلالة لها عليه فمن الجائز أن يهلك الأكثرون بظلمهم ويفنى الأقلون بفناء آبائهم وأمهاتهم كما تقدم فلا دلالة في الآية على استغراق الظلم الأفراد حتى الأنبياء والمعصومين وإنما تدل على استغراق الفناء.
وربما قيل في الجواب إن المراد بالناس الظالمون منهم بقرينة قوله:"بظلمهم"فلا يشمل المعصومين من رأس.
وربما أجيب: أن المراد بالظلم أعم من المعصية التي هي مخالفة الأمر المولوي وترك الأولى الذي هو مخالفة الأمر الإرشادي وربما صدر عن الأنبياء (عليهم السلام) كما حكى عن آدم وزوجه:"قالا ربنا ظلمنا أنفسنا": الأعراف: 23 ، وغيره من الأنبياء فحسنات الأبرار سيئات المقربين وحينئذ فلا يدل عموم الظلم في الآية للأنبياء على عدم عصمة الأنبياء عن المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي.
وربما أجيب بأن إهلاك جميع الناس إنما هو بأن الله يمسك عن إنزال المطر على الأرض لظلم الظالمين من الناس فيهلك به الظالمون والأولياء والدواب فإن العذاب إذا نزل لم يفرق بين الشقي والسعيد فيكون على العدو نقمة ونكالا وعلى غيره محنة ومزيد أجر.
والأجوبة الثلاثة غير تامة جميعا: أما الأول: فإن اختصاص الناس بالظالمين يوجب اختصاص الهلاك بهم كما ادعي فلا يعم الهلاك المعصومين ، ولا موجب حينئذ لهلاك سائر الدواب المخلوقة للإنسان فلا يستقيم قوله:"ما ترك عليها من دابة"كما لا يخفى.
وأما الثاني: فلأن الآيات بما لها من السياق تبحث عن الظلم بمعنى الشرك وسائر المعاصي المولوية فتعميم الظلم في الآية لترك الأولى وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية"و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى"الظاهر في الإيعاد لا يلائم السياق.
وأما الثالث: فلعدم دليل من جهة اللفظ على ما ذكر فيه.
وقوله:"و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"استدراك عن مقدر يدل عليه الجملة الشرطية في صدر الآية والتقدير: فلا يعاجل في مؤاخذتهم ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى والأجل المسمى بالنسبة إلى الفرد من الإنسان موته المحتوم ، وبالنسبة إلى الأمة يوم انقراضها وبالنسبة إلى عامة البشر نفخ الصور وقيام الساعة ، ولكل منها ذكر في كلامه تعالى قال:"و منكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى": المؤمن: 67 ، وقال:"و لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": الأعراف: 34 ، وقال:"و لو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم": الشورى: 14.
قوله تعالى:"و يجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى"إلى آخر الآية ، عود إلى نسبة المشركين إليه تعالى البنات واختيارهم لأنفسهم البنين وهم يكرهون البنات ويحبون البنين ويستحسنونهم.
فقوله:"و يجعلون لله ما يكرهون"يعني البنات وقوله:"و تصف ألسنتهم الكذب"أي تخبر ألسنتهم الخبر الكاذب وهو"أن لهم الحسنى"أي العاقبة الحسنى من الحياة وهي أن يخلفهم البنون ، وقيل المراد بالحسنى الجنة على تقدير صحة البعث وصدق الأنبياء فيما يخبرون به كما حكاه عنهم في قوله:"و لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى": حم السجدة: 50 ، وهذا الوجه لا بأس به لو لا ذيل الآية بما سيجيء من معناه.