و أما أمثال السوء مما يستكرهه الطبع أو يحلله العقل فلا سبيل لها إليه تعالى فإنه عزيز مطلق يمتنع جانبه من أن تسرب إليه ذلة فإن له كل القدرة لا يعرضه عجز ، وله العلم كله فلا يطرأ عليه جهل ، وله محض الحياة لا يهدده موت ولا فناء منزه عن كل نقص وعدم فلا يتصف بصفات الأجسام مما فيه نقص أو فقد أو قصور أو فتور ، والآيات في هذه المعاني كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى إيرادها.
فهو سبحانه ذو علو ونزاهة من أن يتصف بشيء من أمثال السوء التي يتصف بها غيره ، ولا هذا المقدار من التنزه والتقدس فحسب بل منزه من أن يتصف بشيء من الأمثال الحسنة والصفات الجميلة الكريمة بمعانيها التي يتصف بها غيره كالحياة والعلم والقدرة والعزة والعظمة والكبرياء وغيرها ، فإن الذي يوجد من هذه الصفات الحسنة الكمالية في الممكنات محدودة متناه مشوب بالفقر والحاجة مخلوط بالفقدان والنقيصة لكن الذي له سبحانه من الصفات محض الكمال وحقيقته غير محدودة ولا متناه ولا مشوب بنقص وعدم ، فله حياة لا يهددها موت ، وقدرة لا يعتريها عي وعجز ، وعلم لا يقارنه جهل ، وعزة ليس معها ذلة.
فله المثل الأعلى والصفة الحسنى ، قال تعالى:"و له المثل الأعلى في السماوات والأرض: الروم: 27 ، وقال:"له الأسماء الحسنى": طه: 8 ، فالأمثال منها دانية ومنها عالية والعالية منها أعلى ومنها غيره ، والأعلى مثله تعالى والأسماء سيئة وحسنة والحسنة منها أحسن وغيره ولله منها ما هو أحسن فافهم ذلك."
فقد تبين بما تقدم معنى كون مثله أعلى ، وأن قوله:"و لله المثل الأعلى"مسوق للحصر أي لله المثل الذي هو أعلى دون المثل الذي هو سيىء دان ودون المثل الذي هو حسن عال من صفات الكمال الذي تتصف به الممكنات وليس بأعلى.
وتبين أيضا أن المثل الأعلى الذي يظهر له تعالى من البيان السابق هو انتفاء جميع الصفات السيئة عنه كما قال:"ليس كمثله شيء": الشورى: 11 ، ومن الصفات الثبوتية كل صفة حسنة منفيا عنه الحدود والنواقص.
وقوله:"و هو العزيز الحكيم"مسوق لإفادة الحصر وتعليل ما تقدمه أي وهو الذي له كل العزة فلا تعتريه ذلة أصلا لأن كل ذلة فهو فقد عزة ما وليس يفقد عزة ما ، وله كل الحكمة فلا يعرضه جهالة لأنها فقد حكمة ما وليس يفقد شيئا من الحكمة.
وإذ لا سبيل لذلة ولا جهالة إليه فلا يتصف بشيء من صفات النقص ، ولا ينعت بشيء من نعوت الذم وأمثال السوء ، لكن الكافر ذليل في ذاته جهول في نفسه فتلحقه وتلازمه صفات النقص ويتصف بصفات الذم وأمثال السوء فللذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء.
والمؤمن وإن كان ذليلا في ذاته جهولا في نفسه كالكافر إلا أنه لدخوله في ولاية الله أعزه ربه بعزته وأظهره على الجهالة بتأييده بروح منه قال تعالى:"و الله ولي المؤمنين": آل عمران: 68 ، وقال:"و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون: 8 ، وقال:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22.
قوله تعالى:"و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة"إلى آخر الآية.
ضمير"عليها"عائد إلى الأرض لدلالة"الناس"عليها.
ولا يبعد أن يدعى أن السياق يدل على كون المراد بالدابة الإنسان فقط من جهة كونه يدب ويتحرك ، والمعنى ولو أخذ الله الناس بظلمهم مستمرا على المؤاخذة ما ترك على الأرض من إنسان يدب ويتحرك ، أما جل الناس فإنهم يهلكون بظلمهم وأما الأشذ الأندر وهم الأنبياء والأئمة المعصومون من الظلم فهم لا يوجدون لهلاك آبائهم وأمهاتهم من قبل.
والقوم أخذوا الدابة في الآية بإطلاق معناها وهو كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان فعاد معنى الآية إلى أنه لو يؤاخذهم بظلمهم لأهلك البشر وكل حيوان على الأرض فتوجه إليه: أن هذا هو الإنسان يهلك بظلمه فما بال سائر الحيوان يهلك ولا ظلم له أو يهلك بظلم من الإنسان؟.