فهرس الكتاب

الصفحة 2548 من 4314

و قوله:"ألا ساء ما يحكمون"هو حكمهم أن له البنات ولهم البنون لا لهوان البنات وكرامة البنين في نفس الأمر بل معنى هذا الحكم عندهم أن يكون لله ما يكرهون ولهم ما يحبون ، وقيل: المراد بالحكم حكمهم بوجوب وأد البنات وكون إمساكهن هونا ، وأول الوجهين أوفق وأنسب للآية التالية.

قوله تعالى:"للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم"المثل هو الصفة ومنه سمي المثل السائر مثلا لأنه صفة تسير في الألسن وتجري في كل موضع تناسبه وتشابهه.

والسوء - بالفتح والسكون - مصدر ساء يسوء كما أن السوء بالضم اسمه وإضافة المثل إلى السوء تفيد التنويع فإن الأشياء إنما توصف إما من جهة حسنها وإما من جهة سوئها وقبحها فالمثل مثلان: مثل الحسن ومثل السوء.

والحسن والقبح ربما كانا من جهة الخلقة لا صنع للإنسان ولا مدخل لاختياره فيهما كحسن الوجه ودمامة الخلقة ، وربما لحقا من جهة الأعمال الاختيارية كحسن العدل وقبح الظلم ، وإنما يحمد ويذم العقل ما كان من القسم الثاني دون القسم الأول فيدور الحمد والذم بحسب الحقيقة مدار العمل بما تستحسنه وتأمر به الفطرة الإنسانية من الأعمال التي توصله إلى ما فيه سعادة حياته وترك العمل بها وهو الذي يتضمنه الدين الحق من أحكام الفطرة.

ومن المعلوم أن الطبع الإنساني لا رادع له عن اقتراف العمل السيىء إلا أليم المؤاخذة وشديد العقاب وإذعانه بإيقاعه وإنجازه ، وأما الذم فإنه يتبدل مدحا إذا شاع الفعل وخرج بذلك عن كونه منكرا غير معروف.

ومن هنا يظهر أن الإيمان بالآخرة والإذعان بالحساب والجزاء هو الأصل الوحيد الذي يضمن حفظ الإنسان عن اقتراف الأعمال السيئة ويجيره من لحوق أي ذم وخزي وهو المنشأ الذي يقوم أعمال الإنسان تقويما يحمله على ملازمة طريق السعادة ، ولا يؤثر أثره أي شيء آخر من المعارف الأصلية حتى التوحيد الذي إليه ينتهي كل أصل.

وإلى ذلك يشير قوله تعالى:"و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب": ص: 26.

فعدم الإيمان بالآخرة واستخفاف أمر الحساب والجزاء هو مصدر كل عمل سيىء ومورده ، وبالمقابلة الإيمان بالآخرة هو منشأ كل حسنة ومنبع كل خير وبركة.

فكل مثل سوء وصفة قبح يلزم الإنسان ويلحقه فإنما يأتيه من قبل نسيان الآخرة كما أن كل مثل حسن وصفة حمد بالعكس من ذلك.

وبما تقدم يظهر النكتة في قوله:"للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء"فقد كان يصفهم في الآيات السابقة بالشرك فلما أراد بيان أن لهم مثل السوء بدل ذلك من وصفهم بعدم إيمانهم بالآخرة.

فالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الأصل في عروض كل مثل سوء وصفة قبح فإن ملاكه وهو إنكار الآخرة نعتهم اللازم لهم.

ولو لحق بعض المؤمنين بالآخرة شيء من مثل السوء فإنما يلحقه لنسيان ما ليوم الحساب والمنكرون هم الأصل في ذلك.

هذا في صفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمها وهناك صفات سوء لا يستقبحها العقل وإنما يكرهها الطبع كالأنوثة عند قوم وإيلاد البنات عند آخرين والفقر المالي والمرض وكالموت والفناء والعجز والجهل تشترك بين المؤمن والكافر وصفات أخرى تحليلية كالفقر والحاجة والنقص والعدم والإمكان لا تختص بالإنسان بل هي مشتركة بين جميع الممكنات سارية في عامة الخلق ، والكافر يتصف بها كما يتصف بها غيره فالكافر في معرض الاتصاف بكل مثل سوء منها ما يختص به ومنها ما يشترك بينه وبين غيره كما بين تفصيلا.

والله سبحانه منزه من أن يتصف بشيء من هذه الصفات التي هي أمثال السوء أما أمثال السوء التي تتحصل من ناحية سيئات الأعمال مما يستقبحه العقل ويذمه ويجمعها الظلم فلأنه لا يظلم شيئا قال تعالى:"و لا يظلم ربك أحدا": الكهف: 49 ، وقال:"و هو الحكيم العليم": الزخرف: 84 ، فما قضاه من حكم أو فعله من شيء فهو المتعين في الحكمة لا يصلح بالنظر إلى النظام الجاري في الوجود إلا ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت