و هذان الوجهان لا يتعديان طور الاستحسان وأنت لو راجعت آراء الوثنية على اختلافهم - وقد تقدم شطر منها في الجزء العاشر من هذا الكتاب - عرفت أن العرب لم تكن مبتكرة في هذه العقيدة بل لها أصل قديم في آراء قدماء الوثنية في الهند ومصر وبابل واليونان والروم.
والإمعان في أصول آرائهم يعطي أنهم كانوا يتخذون الملائكة الذين ينتهي إليهم وجوه الخير في العالم والجن الذين يرجع إليهم الشرور آلهة يعبدونهم رغبا ورهبا ، وهذه المبادىء العالية والقوى الكلية التي هم يحملونها ، وبعبارة أخرى هم مظاهر لها تنقسم إلى فاعلة ومنفعلة وهم يعتبرون اجتماع الفاعل والمنفعل منها نكاحا وازدواجا والفاعل منها أبا والمنفعل منها أما ، والمتحصل من اجتماعهما ولدا وينقسم الأولاد إلى بنين وبنات فمن الآلهة ما هن أمهات وبنات ومنها ما هم آباء وبنون.
فلئن كان بعض وثنية العرب قالت: إن الملائكة جميعا بنات الله فقول أرادوا أن يقلدوا فيه من قبلهم جهلا ومن غير تثبت.
وقوله:"و لهم ما يشتهون"ظاهر السياق أنه معطوف على"لله البنات"والتقدير ويجعلون لهم ما يشتهون ، أي يثبتون لله سبحانه البنات باعتقاد أن الملائكة بناته ويثبتون لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون بقتل البنات ووأدها والمحصل أنهم يرضون لله بما لا يرضون به لأنفسهم.
وقيل: إن"ما يشتهون"مبتدأ مؤخر و"لهم"خبر مقدم والجملة معطوفة على"يجعلون"وعلى هذا فالجملة مسوقة للتقريع أو الاستهزاء.
وقد وجهوا ذلك بأن عطف الجملة على"لله البنات"غير جائز لمخالفته القاعدة وهي أن الفعل المتعدي إلى المفعول بنفسه أو بحرف جر إذا كان فاعله ضميرا متصلا مرفوعا فإنه لا يتعدى إلى نفس هذا الضمير بنفسه أو بحرف جر إلا بفاصل مثلا إذا ضرب زيد نفسه لم يقل: زيد ضربه وأنت ضربتك وإذا غضب على نفسه لم يقل: زيد غضب عليه ، وإنما يقال: زيد ضرب نفسه أو ما ضرب إلا إياه ، وزيد غضب على نفسه أو ما غضب إلا عليه إلا في باب ظن وما ألحق به من فقد وعدم فيجوز أن يقال: زيد ظنه قويا أي نفسه.
وعلى هذا فلو كان قوله:"و لهم ما يشتهون"معطوفا على قوله:"لله البنات"كان من الواجب أن يقال:"و لأنفسهم ما يشتهون"انتهى محصلا.
والحق أن التزام هذه القاعدة إنما هو لدفع اللبس وأن تخلل حرف الجر بين الضميرين من الفصل ، وفي القرآن الكريم:"و هزي إليك بجذع النخلة": مريم: 25"و اضمم إليك جناحك": القصص: 32 ، ومنهم من رد القاعدة من رأس لانتقاضها بالآيتين ، وأجابوا أيضا بوجوه أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها من أرادها فليراجع التفاسير.
قوله تعالى:"و إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم"اسوداد الوجه كناية عن الغضب ، والكظيم هو الذي يتجرع الغيظ ، والجملة حالية أي ينسبون إلى ربهم البنات والحال أنهم إذا بشر أحدهم بالأنثى فقيل: ولدت لك بنت اسود وجهه من الغيظ وهو يتجرع غيظه.
قوله تعالى:"يتوارى من القوم من سوء ما بشر به"إلى آخر الآية ، التواري الاستخفاء والتخفي وهو مأخوذ من الوراء ، والهون الذلة والخزي ، والدس الإخفاء.
والمعنى: يستخفي هذا المبشر بالبنت من القوم من سوء ما بشر به على عقيدته ويتفكر في أمره: أ يمسك ما بشر به وهي البنت على ذلة من إمساكه وحفظه أم يخفيه في التراب كما كان ذلك عادتهم في المواليد من البنات كما قيل: إن أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا كان المولود أنثى جعلها في الحفيرة وحثا عليها التراب حتى تموت تحته وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهن فيطمع غير الأكفاء فيهن.
وأول ما بدا لهم ذلك أن بني تميم غزوا كسرى فهزمهم وسبى نساءهم وذراريهم فأدخلهن دار الملك واتخذ البنات جواري وسرايا ثم اصطلحوا بعد برهة واستردوا السبايا فخيرن في الرجوع إلى أهلهن فامتنعت عدة من البنات فأغضب ذلك رجال بني تميم فعزموا لا تولد لهم أنثى إلا وأدوها ودفنوها حية ثم تبعهم في ذلك بعض من دونهم فشاع بينهم وأد البنات.