فهرس الكتاب

الصفحة 2546 من 4314

و لما كان كفرانهم هذا - وهو كفر دائم يصرون عليه واستكبار على الله ، وقد قال تعالى:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 أثار ذكر ذلك الغضب الإلهي فعدل عن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم على نعت الغيبة إلى خطابهم وإيعادهم من غير توسيط فقال:"فتمتعوا فسوف تعلمون".

ولم يذكر ما يتمتعون به ليفيد بالإطلاق أن كل ما تمتعوا به سيؤاخذون عليه ولا ينفعهم شيء منه ، ولم يذكر ما يعلمونه - وهو لا محالة أمر يسوؤهم - ليكونوا على جهل منه حتى يحل بهم مفاجأة ويبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وفيه تشديد للإيعاد.

وذكر بعضهم: أن اللام في قوله:"ليكفروا بما آتيناهم"لام الأمر والمراد به الإيعاد على نحو التعجيز وهو تكلف.

قوله تعالى:"و يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون"ذكروا أنه معطوف على سائر جناياتهم التي دلت عليها الآيات السابقة والتقدير أنهم يفعلون ما قصصناه من جناياتهم ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا والظاهر أن"ما"في"لما لا يعلمون"موصولة والمراد به آلهتهم وضمير الجمع يعود إلى المشركين ومفعول"لا يعلمون"محذوف والمعنى ويجعل المشركون لآلهتهم التي لا يعلمون من حالها أنها تضر وتنفع نصيبا مما رزقناهم.

والمراد من هذا الجعل ما ذكره سبحانه في سورة الأنعام بقوله:"و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون": الأنعام: 136 ، هذا ما ذكروه ولا يخلو عن تكلف.

ويمكن أن يكون معطوفا على ما مر من قوله:"يشركون"والتقدير إذا فريق منكم بربهم يشركون ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، والمراد بما لا يعلمون الأسباب الظاهرة التي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال وهم جاهلون بحقيقة حالها ولا علم لهم جازما أنها تضر وتنفع مع ما يرون من تخلفها عن التأثير أحيانا.

وإنما نسب إليهم أنهم يجعلون لها نصيبا من رزقهم مع أنهم يسندون الرزق إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا الله معها ومقتضاه نفي التأثير عنه تعالى رأسا لا إشراكه معها لأن لهم علما فطريا بأن الله سبحانه له تأثير في الأمر وقد ذكر عنهم آنفا أنهم يجأرون إليه عند مس الضر وإذا اعتبر اعترافهم هذا مع إسنادهم التأثير إلى الأسباب أنتج ذلك أن الأسباب عندهم شركاء لله في الرزق ولها نصيب فيه ثم أوعدهم بقوله:"تالله لتسألن عما كنتم تفترون".

قوله تعالى:"و يجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون"عتاب آخر لهم في حكم حكموا به جهلا من غير علم فاحترموا لأنفسهم وأساءوا الأدب مجترئين على الله سبحانه حيث اختاروا لأنفسهم البنين وكرهوا البنات لكنهم نسبوها إلى الله سبحانه.

فقوله:"و يجعلون لله البنات سبحانه"هو أخذهم الآلهة دون الله أو بعض الآلهة إناثا ، وقولهم: إنهن بنات الله ، وقد قيل: إن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله.

وكانت الوثنية البرهمية والبوذية والصابئة يثبتون آلهة كثيرة من الملائكة والجن إناثا وهن بنات الله ، وفي القرآن الكريم:"و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا": الزخرف: 19 ، وقال تعالى:"و جعلوا بينه وبين الجنة نسبا": الصافات: 158.

وقال الإمام في تفسيره في وجه ذلك: أظن أنهم سموها بنات لاستتارها عن العيون كالنساء كما أنهم أخذوا الشمس مؤنثا لاستتار قرصها بنورها الباهر وضوئها عن العيون كالمخدرات من النساء ولا يلزم الاطراد في التسمية حتى يلزم مثل ذلك في الجن لاستتارهم عن العيون مع عدم التأنيث.

انتهى ملخصا.

وذكر بعضهم: أن الوجه في التأنيث كونها مستترة عن العيون مع كونها في محل لا يصل إليه الأغيار فهي كالبنات التي يغار عليهن الرجل فيسكنهن في محل أمين ومكان مكين ، والجن وإن كانوا مستترين عن العيون لكنه على غير هذه الصورة انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت