قوله تعالى:"و ما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون"بيان آخر لوحدانيته تعالى في الربوبية يفرع سبحانه عليه ذمهم وتوبيخهم على شركهم بالله وعلى تشريعهم أمورا من عند أنفسهم من غير إذن منه ورضى ويجري الكلام في هذا المجرى إلى تمام بضع آيات.
والمراد بالضر سوء الحال من جهة فقدان النعمة التي تصلح بها الحال ، والجؤار بضم الجيم صوت الوحوش استعير لرفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة تشبيها له به.
وقوله:"و ما بكم من نعمة فمن الله"الكلام مسوق للعموم وليس مجرد دعوى غير مستدل فقد بين ذلك في الآيات السابقة.
على أن السامعين يسلمون ذلك ويقولون به ويدل عليه جؤارهم واستغاثتهم إليه عند مسيس الضر بفقدان نعمة من النعم.
فالمعنى: أن جميع النعم التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم وأنتم تعلمون ذلك ثم إذا حل بكم شيء من الضر وسوء حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرع وجأرتم إليه لا إلى غيره ولو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجهتم إليه فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضر فما بالكم لا تخصونه بالعبادة ولا تطيعونه.
والاستغاثة به تعالى والتضرع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهرية ضرورية لا يرتاب فيها فإن الإنسان ولو لم ينتحل إلى دين ولم يؤمن بالله سبحانه فإنه لا ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه ، ولا رجاء إلا وهناك مرجو منه فمن الضروري أن تحقق ما لا يخلو من معنى التعلق كالحب والبغض والإرادة والكراهة والجذب ونظائرها في الخارج لا يمكن إلا مع تحقق طرف تعلقها في الخارج فلو لم يكن في الخارج مراد لم تتحقق إرادة من مريد ، ولو لم يكن هناك مطلوب لم يكن طلب ولو لم يكن جاذب يجذب لم يتصور مجذوب ينجذب ، وهذا حال جميع المعاني الموجودة التي لا تخلو كينونتها عن نسبة.
فتعلق الرجاء من الإنسان بالتخلص من البلية عند انقطاع الأسباب دليل على أنه يرى أن هناك سببا فوق هذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا ولا ينقطع عنه الإنسان ، ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ينسى قط.
هذا شيء يجده الإنسان من نفسه وتقضي به فطرته وإن ألهاه عنه الاشتغال بالأسباب الظاهرة وجذبته إلى نفسها أمتعة الحياة وزخارف المادة المحسوسة لكنه إذا أحاطت به البلية وأعيته الحيلة وسدت عليه طرق النجاة وانهزمت الأسباب الظاهرة عن آخرها وطارت الموانع عن نظره ولم يبق هناك مله يلهيه ولا شاغل يشغله ظهر له ما أخفته الأسباب وعاين ما كان على غفلة منه فتعلقت نفسه به ، وهو السبب الذي فوق كل سبب وهو الله عز اسمه.
قوله تعالى:"ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون"شروع في ذمهم وتوبيخهم وينتهي إلى إيعادهم وحق لهم ذلك لأن الذي يستدعيه كشف الضر عن استغاثتهم ورجوعهم الفطري إلى ربهم أن يوحدوه بالربوبية بعد ما انكشفت لهم الحقيقة باندفاع البلية ونزول الرحمة لكن فريقا منهم تفاجئهم الشقوة فيعودون إلى التعلق بالأسباب فينتبه عندئذ الراقد من رذائل ملكاتهم فيثير لهم الأهواء ويشركون بربهم غيره ، ومنه الأسباب التي يتعلقون بها ، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون"اللام للغاية أي إنهم إنما يشركون بربهم ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشف الضر عنهم ولا يشكروه.
وجعل الكفر بالنعمة غاية للشرك إنما هو بدعوى أنهم لا غاية لهم في مسير حياتهم إلا الكفر بنعمة الله وعدم شكره على ما أولى فإن اشتغالهم بالحس والمادة أورثهم في قلوبهم ملكة التعلق بالأسباب الظاهرة وإسناد النعم الإلهية إليها وضربهم إياها حجابا ثخينا على عرفان الفطرة فأنساهم ذلك توحيد ربهم في ربوبيته فصاروا يذكرون عند كل نعمة أسبابها الظاهرة دون الله ، ويتعلقون بها ويخشون انقطاعها ويخضعون لها دون الله فكأنهم بل إنهم لا غاية لهم إلا كفر نعمة الله وعدم شكرها.
فالكفر بالله سبحانه هو غايتهم العامة في كل شأن أبدوه وكل عمل أتوا به فإذا أشركوا بربهم بعد كشف الضر بالخضوع لسائر الأسباب فإنما أشركوا ليكفروا بما آتاهم من النعمة.