فهرس الكتاب

الصفحة 3250 من 4314

و فعله ذاك وإن لم يكن معصية منه لوقوعه خطأ وكون دفاعه عن الإسرائيلي دفعا لكافر ظالم ، لكن الشيطان كما يوقع بوسوسته الإنسان في الإثم والمعصية كذلك يوقعه في أي مخالفة للصواب يقع بها في الكلفة والمشقة كما أوقع آدم وزوجه فيما أوقع من أكل الشجرة المنهية فأدى ذلك إلى خروجهما من الجنة.

فقوله:"هذا من عمل الشيطان"انزجار منه عما وقع من الاقتتال المؤدي إلى قتل القبطي ووقوعه في عظيم الخطر وندم منه على ذلك ، وقوله:"إنه عدو مضل مبين"إشارة منه إلى أن فعله كان من الضلال المنسوب إلى الشيطان وإن لم يكن من المعصية التي فيها إثم ومؤاخذة بل خطأ محضا لا ينسب إلى الله بل إلى الشيطان الذي هو عدو مضل مبين ، فكان ذلك منه نوعا من سوء التدبير وضلال السعي يسوقه إلى عاقبة وخيمة ولذا لما اعترض عليه فرعون بقوله:"و فعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين"أجابه بقوله:"فعلتها إذا وأنا من الضالين": الشعراء: 20.

قوله تعالى:"قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم"اعتراف منه عند ربه بظلمه نفسه حيث أوردها مورد الخطر وألقاها في التهلكة ، ومنه يظهر أن المراد بالمغفرة المسئولة في قوله:"فاغفر لي"هو إلغاء تبعة فعله وإنجاؤه من الغم وتخليصه من شر فرعون وملئه ، كما يظهر من قوله تعالى:"و قتلت نفسا فنجيناك من الغم": طه: 40.

وهذا الاعتراف بالظلم وسؤال المغفرة نظير ما وقع من آدم وزوجه المحكي في قوله تعالى:"قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"،: الأعراف: 23.

قوله تعالى:"قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين"قيل: الباء في قوله:"بما أنعمت"للسببية والمعنى رب بسبب ما أنعمت علي ، لك علي أن لا أكون معينا للمجرمين فيكون عهدا منه لله تعالى وقيل: الباء للقسم والجواب محذوف والمعنى: أقسم بما أنعمت علي لأتوبن أو لأمتنعن فلن أكون ظهيرا للمجرمين ، وقيل: القسم استعطافي وهو القسم الواقع في الإنشاء كقولك بالله زرني ، والمعنى أقسمك أن تعطف علي وتعصمني فلن أكون ظهيرا للمجرمين.

والوجه الأول هو الأوجه لأن المراد بقوله:"بما أنعمت علي"- على ما ذكروه - أما إنعامه تعالى عليه إذ حفظه وخلصه من قتل فرعون ورده إلى أمه ، وأما إنعامه عليه إذ قبل توبته من قتل القبطي وغفر له بناء على أنه علم مغفرته تعالى بإلهام أو رؤيا أو نحوهما وكيف كان فهو إقسام بغيره تعالى ، والمعنى أقسم بحفظك إياي أو أقسم بمغفرتك لي ، ولم يعهد في كلامه تعالى حكاية قسم من غيره بغيره بهذا النحو.

وقوله:"فلن أكون ظهيرا للمجرمين"قيل: المراد بالمجرم من أوقع غيره في الجرم أو من أدت إعانته إلى جرم كالإسرائيلي الذي خاصمه القبطي فأوقعت إعانته موسى في جرم القتل فيكون في لفظ المجرمين مجاز في النسبة من حيث تسمية السبب الموقع في الجرم مجرما.

وقيل: المراد بالمجرمين فرعون وقومه والمعنى: أقسم بإنعامك علي لأتوبن فلن أكون معينا لفرعون وقومه بصحبتهم وملازمتهم وتكثير سوادهم كما كنت أفعله إلى هذا اليوم.

ورد هذا الوجه الثاني بأنه لا يناسب المقام.

والحق أن قوله:"رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين"عهد من موسى (عليه السلام) أن لا يعين مجرما على إجرامه شكرا لله تعالى على ما أنعم عليه ، والمراد بالنعمة وقد أطلقت إطلاقا الولاية الإلهية على ما يشهد به قوله تعالى:"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين": النساء: 69.

وهؤلاء أهل الصراط المستقيم مأمونون من الضلال والغضب لقوله تعالى:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين": الفاتحة: 7 ، وترتب الامتناع عن إعانة المجرمين على الإنعام بهذا المعنى ظاهر لا سترة عليه.

ومن هنا يظهر أن المراد بالمجرمين أمثال فرعون وقومه دون أمثال الإسرائيلي الذي أعانه فلم يكن في إعانته جرم ولا كان وكز القبطي جرما حتى يتوب (عليه السلام) منه كيف؟ وهو (عليه السلام) من أهل الصراط المستقيم الذين لا يضلون بمعصيته ، وقد نص تعالى على كونه من المخلصين الذين لا سبيل للشيطان إليهم بالإغواء حيث قال:"إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا": مريم: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت